عندما أشرنا منذ البداية وفي أكثر من مناسبة إلى أن دولة الإمارات تعتبر من أقل بلدان العالم تأثراً بالأزمة المالية العالمية، وأن ما حدث لدينا لا يعدو كونه ردود أفعال على ما جرى في الأسواق العالمية، وأننا لسنا طرفاً في حدوث الأزمة، وإنما طالتنا تداعيات تلك الأزمة لكوننا جزءاً من النظام الاقتصادي الدولي، بل وجزءاً مؤثراً وفاعلا في العلاقات الاقتصادية الدولية. في المقابل شنت وسائل إعلام عالمية مرموقة ومؤسسات لها ثقلها في الإعلام الاقتصادي العالمي حملة لا هوادة فيها حول الأوضاع الاقتصادية في دولة الإمارات وفي دبي تحديداً، مبشرة بانتهاء تلك التجربة المميزة، هكذا بسهولة وبسذاجة! في تلك الأثناء غطى صوت وسائل الإعلام هذه على أصواتنا المتواضعة ولكن العلمية والصريحة والمنسجمة مع ذاتها والمدافعة عن إنجازاتها والأكثر دراية بأوضاعها. لقد قلنا منذ البداية إن تداعيات الأزمة ستؤثر على اقتصادنا وستؤدي إلى تباطؤ بعض القطاعات، إلا أن اقتصاد الدولة يملك الإمكانيات والقدرات التي تؤهله للتعامل مع هذه الأزمة والخروج منها بأقل الخسائر، وهذا ما حدث بالفعل. والمبررات لقول ذلك كانت بسيطة وواضحة للذين يتعاملون بروح علمية وبقلوب بيضاء، فالاقتصاد المحلي، وبالأخص المؤسسات المالية والمصرفية لم تتورط بصورة كبيرة في البنوك والشركات المنهارة في الغرب أو في الديون الهالكة، كما أن اقتصاد الدولة متماسك ضمن نظام واحد لا يفرق بين مكوناته، ومدعوم بعائدات النفط والتنوع الاقتصادي الذي تحقق في السنوات الماضية. والآن وقد فشلت تلك الحملة الظالمة ووجهت قيادة البلاد من خلال زيارة صاحب السمو رئيس الدولة لدبي وحديث صاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وجهت رسائل قوية حول وحدة اقتصادنا الوطني وحول بداية تعافي الأوضاع الاقتصادية في الدولة، فإنه لم يتبق للأصوات التي حاولت الإساءة إلى التجربة الإماراتية إلا أن تعيد حساباتها وأن تتحلى في المستقبل بالموضوعية والعلمية حتى تكون أكثر مصداقية وشفافية في تعاملها مع الأحداث في مختلف مناطق العالم، ففي عصر تقنية المعلومات و"الإنترنت" لا يمكن حجب الحقيقة، والآراء المتعددة تنتقل يومياً عبر الشبكة العنكبوتية مخترقة حدود العالم دون حواجز. لنترك كل ذلك وراءنا، كما تركنا الأزمة وراءنا، و-عفا الله عما سلف- ولننظر إلى المستقبل، فأمامنا مهام كثيرة لا تقل أهمية عن الإنجازات التي تحققت، حيث يمكن تلمس ذلك من خلال العديد من المشاريع التي أعلن عنها مؤخراً في مختلف القطاعات الاقتصادية والتي كان آخرها المشاريع التي أعلن عنها ولي عهد أبوظبي في معرض "سيتي سكيب"، مما يعني أن دولة الإمارات مقدمة على نقلة نوعية أخرى تدعم تجربتها العالمية المميزة. والمستقبل القريب يقول إنه سيتم قريباً جداً بدء الإنتاج في أكبر مصهر للألمنيوم في العالم، وسينتهي العمل في أطول ناطحة سحاب، وستتحول مطارات وموانئ الدولة إلى نقطة ارتكاز رئيسية لحركة النقل والتجارة الدولية، وسينفذ العديد من المشاريع الحيوية في صناعة البتروكيماويات ومنتجات النفط، وسيفتتح المزيد من الجامعات والمعاهد والمستشفيات الجديدة. والمستقبل القريب يقول كذلك إن دولة الإمارات ستشكل مكوناً رئيسياً من مكونات السوق الخليجية المشتركة التي سيكون لها شأن كبير في العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية، وسيترتب على ذلك توفر مئات الفرص الاستثمارية الواعدة. وأخيراً، فإن المستقبل يقول كذلك، إن دولة الإمارات تملك ثروة نفطية هائلة وستحقق عوائد مالية كبيرة وإن الصناديق السيادية للدولة ستدير وتتملك وتستحوذ على مؤسسات اقتصادية عملاقة وعريقة في السنوات القادمة، مما سيؤدي إلى تنويع مصادر الدخل واكتساب خبرات جديدة في مجال إدارة الثروات حول العالم. ولسنا على يقين من أن تلك الثوابت المستقبلية التي أشرنا إليها بصورة سريعة ومختصرة جداً ستكون كافية لوقف الحملة، ولكن التقدم الذي سيتحقق قريباً سيحد منها كثيراً دون شك، وخصوصاً أن مقومات النجاح متوفرة، فالقيادة تتحلى بالعزيمة والإصرار على النجاح والخبرات المتوفرة قادرة على إدارة مشاريع التنمية والمؤسسات المالية والمصرفية تتمتع بملاءة قوية، والبنية الأساسية يمكنها استيعاب النمو المتواصل والرامي إلى إيجاد مصادر بديلة للدخل. إن دروس الأزمة كثيرة ومتعددة، وسوف تحاول بلدان العالم ومؤسساته الاستفادة من تجاربها، وفي الوقت نفسه، على وسائل الإعلام ومؤسسات التصنيف والتقييم الدولية التحلي بالموضوعية والعلمية والتنويه إلى الاستفادة من التجارب الناجحة لتعميم الفائدة، بدلا من محاولات الإساءة وتعميم الضرر. د. محمد العسومي