فضلت أن أضع الموضوع تحت مسمى "المسؤولية التنموية لرجال الأعمال"، حتى أربطه بالتطور التاريخي لدور الدولة في التنمية، وما دار حوله من صراع منذ القرن التاسع عشر، وخصوصاً بين نظرية التوازن ونظرية الصراع، وهما النظريتان اللتان دار بينهما الجدل في مرحلة تأسيس نظرية المجتمع في القرن التاسع عشر. وتصدر نظريات "التوازن" Order theories –بوجه عام- عن فكرة محددة تصور المجتمع باعتباره نسقاً من الأفعال توجد بينها ثقافة مشتركة تتسم بالاتفاق حول القيم الأساسية التي تقوم عليها. وتقوم هذه النظريات على أساس تحليل خاص للأنساق الاجتماعية يطلق عليه "التحليل البنائي الوظيفي". وهذا التحليل يتم على مستويين: استاتيكي وديناميكي. على المستوى الاستاتيكي يتم تصنيف السمات البنائية المنتظمة في العلاقات الاجتماعية مثل الأدوار Roles السائدة في المجتمع وضروب المكانات الشائعة Status والنظم الاجتماعية الموجودة، أما المستوى الديناميكي من التحليل فيُعنى بدراسة عمليات التداخل والتشابك بين الأنساق الموجودة فعلا، واستراتيجيات تحديد الأهداف الاجتماعية المختلفة، وعملية التنشئة الاجتماعية Socialization. وكذلك الوظائف Functions الأخرى التي تحافظ على توازن الأنساق والنظم الاجتماعية. والمفهوم الأساسي الذي يرتكز عليه تحليل المشكلات الخاصة بالأنساق الاجتماعية -مثل المشكلات الاجتماعية، والانحراف، والصراع الاجتماعي- هو "تصدع القيم" anomie، وهو مصطلح ابتدعه عالم الاجتماع الفرنسي "أميل دوركايم" ثم نقل عنه بعد ذلك وذاع استخدامه، وهو يعني- بين ما يعني- الافتقار إلى قيم خلقية لتوجيه السلوك في لحظة معينة من حياة المجتمع، أو في قطاع محدد من قطاعاته. و"تصدع القيم" -في نظر أصحاب هذه النظريات- يعني عدم التوازن الذي يصيب أحياناً الأنساق الاجتماعية، أو ما يطلق عليه بحسب مصطلحاتهم، "التفكك الاجتماعي" Social disorganization الذي يعني ثغرة في التنظيم الاجتماعي يكشف عنها ضعف أجهزة الضبط الاجتماعي Social control (ويعنون بها القانون والدين والأسرة). وينجم عن "تصدع القيم" فشل الأفراد في تحقيق الأهداف التي يقوم عليها النظام الاجتماعي. أما نظريات "الصراع" فهي تتفق على رفضها لنموذج التوازن باعتباره أساساً لفهم المجتمع المعاصر، وهي تكيف التحليل الذي تقدمه نظريات التوازن باعتباره يمثل استراتيجية جماعة حاكمة ما، ويقوم بدور التأييد لقيمها ودوافعها، ويلعب دور التبرير لكل الإجراءات التابعة التي تلجأ إليها هذه الجماعة الحاكمة، في إطار ما تطلق عليه زيادة فاعلية وسائل الضبط الاجتماعي. والمجتمع -بالنسبة لنظريات التوازن- عبارة عن نسق طبيعي، غير أنه بالنسبة لمنظري الصراع عبارة عن صراع سياسي محتدم بين جماعات متصارعة فيما يتعلق بأهدافها أو بنظراتها الإجمالية للحياة. ومنظّر الصراع -إذا ما كان فوضوياً- قد يعارض أي فكرة تتعلق بثبات السلطة أو باستقرار النظام. أما إذا كان ماركسياً ملتزماً، فإنه لا يعارض فكرة النظام في ذاتها، ولكنه يتطلع لتطبيقها في المستقبل بعد تحطيم المجتمع الطبقي، وإقامة المجتمع الاشتراكي على أنقاضه. وعلى ذلك فالنظام يمكن تحقيقه، ولكن ليس باصطناع وسائل الضبط الاجتماعي كما تدعو لذلك نظريات التوازن، ولكن عن طريق إعادة التنظيم الاجتماعي بصورة جذرية للحياة الاجتماعية كلها. وعلى ذلك فالنظام ينجم عن شروط التنظيم الاجتماعي. وليس مجرد ناتج من نواتج التكامل الثقافي في المجتمع. وقد عكس هذا الجدل بين نظرية التوازن ونظرية الصراع على التنافس بين الرأسمالية والماركسية الذي استغرق الجزء الأكبر من القرن العشرين، وخصوصاً بعد أن تجسدت الماركسية في دولة كبرى هي الاتحاد السوفييتي الذي نشأ عقب الثورة البلشفية عام 1917. وأصبحت هذه الدولة هي الرائدة في مجال التخطيط الذي قام على أساسه الاقتصاد الاشتراكي. ودار الزمن دورته ومرّ الاقتصاد الاشتراكي عبر مرحلة تاريخية ممتدة بمسار بالغ التعقيد، شهد انتصارات جزئية في مجال إشباع الحاجات الأساسية لملايين البشر، ولكنه شهد أيضاً إخفاقات شاملة فيما يتعلق بالقدرة على تطوير الإنتاج لمستوى يسمح بالارتقاء بنوعية حياة المواطن السوفييتي. وهكذا سقط -نتيجة لعوامل شتى- الاتحاد السوفييتي، وانقضت بذلك حقبة التطبيق الاشتراكي المستوحى من الماركسية. وخلا المسرح للرأسمالية لتصبح هي الإيديولوجية السائدة والمذهب الاقتصادي الأوحد، الذي تم تعميمه -نتيجة أساليب ووسائل شتى تتراوح بين الترغيب والترهيب- على مختلف بلاد العالم. والرأسمالية أيضاً -مثلها في ذلك مثل الماركسية- مرت بمسيرة تاريخية معقدة، لأن البلاد الغربية التي طبقتها شهدت صراعات طبقية شتى، وهجوماً من قبل الأحزاب الشيوعية، مما اضطر أحد الزعماء السياسيين الأوروبيين المشاهير وهو "بسمارك" حاكم ألمانيا، إلى أن يسن حزمة متكاملة من التشريعات الاجتماعية، للتخفيف من وطأة الاستغلال الرأسمالى، وتلافي اشتعال الثورة. وكانت هذه هي الخطوة التاريخية الأولى التي اتخذتها الرأسمالية للتخفيف من وطأة الاستغلال الرأسمالي، وجاء تتويجاً لها نشوء ما أطلق عليه دولة الرعاية الاجتماعية The Welfare State التي سنت مجموعة متكاملة من التشريعات الاجتماعية، وتضمنت إعانات في حالة البطالة والرعاية الصحية والاجتماعية للطبقات الفقيرة. وفي تصورنا أن إثارة موضوع المسؤولية الاجتماعية لرجال الأعمال حلقة في سلسلة حلقات للتخفيف من وطأة الاستغلال الرأسمالى وتأثيراته السلبية على الطبقات المتوسطة والفقيرة، وإشعار المجتمع بأن رجال الأعمال يحسون بمشكلات الجماهير، ولديهم استعداد -بالإضافة إلى تحقيق أعلى معدلات الربح- إلى الإسهام في حل مشكلات المجتمع. والسؤال هنا: كيف؟ هل عن طريق التبرع أم من خلال خطة تنموية شاملة تتكامل مع خطة الدولة للتنمية؟ في تقديرنا أن الأزمة المالية العالمية من شأنها أن تجعلنا نعيد النظر في الوضع التقليدي للمسؤولية الاجتماعية لرجال الأعمال، سواء في ذلك الذي أسهمت في صياغته الكتابات الأكاديمية، أم نصت عليه المواثيق الدولية مثل نموذج الأمم المتحدة Global Compact. وإعادة النظر تجد مبررها في أهمية إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والسوق. وفي تقديرنا أن نموذج الرأسمالية المعولمة الذي كان يقضي باستبعاد الدولة نهائياً من مجال إدارة الاقتصاد وترك الميدان للسوق الحر الذي يتوازن ذاتياً بآلية العرض والطلب، قد سقط نهائياً -بالمعنى التاريخي للكلمة- إلى الأبد! والاحتمال الأرجح الذي يتم التفكير فيه الآن في أرفع المحافل الرأسمالية العالمية، هو إعطاء الدولة دوراً محدداً في الرقابة على السوق بشكل عام، وعلى سوق الائتمان بشكل خاص. ولكن كيف؟ هنا المعضلة! وبغض النظر عن هذه المشكلات المعرفية والاقتصادية، فإن مصر باعتبارها من أبرز الدول العربية التي طبقت نموذج "الليبرالية الجديدة" مدعوة بشدة إلى مراجعة النموذج الاقتصادي الرأسمالي الذي طبقته بدرجات متفاوتة من النجاح والفشل في العقود الماضية. هناك عشرات من الأسئلة التي ينبغي أن تطرح في مجال تقييم تجربة مصر الاقتصادية في العقود الأخيرة، مثل معدلات الدَّين الداخلي، والعجز في الميزان التجاري، والعجز الدائم في الميزانية، ومعدلات الاستثمار المصري والأجنبي. وفيما يتعلق بالمسؤولية التنموية لرجال الأعمال اقترحت ما أسميته الصفقة المتبادلة بين الحكومة ورجال الأعمال.بمعنى أن تقدم الدولة لرجال الأعمال تسهيلات مهمة في مجال تخصيص الأراضي والائتمان، في مقابل أن يسهم القطاع الخاص وفق رؤية استراتيجية مستنيرة للتنمية في قطاعات أساسية مثل التعليم والصحة والتشغيل ومكافحة الأمية، وتأسيس مجتمع معلومات يقوم على سد الفجوة الرقمية بكل أبعادها السلبية. ومن شأن ذلك كله مساعدة المجتمع على الانتقال من مجتمع المعلومات إلى مرحلة مجتمع المعرفة.