إن أكثر ما يعجبني في الرئيس أوباما هو ما أثارته رسالته عن التغيير من آمال عريضة في واشنطن، بيد أن الشيء الذي يحيرني هو أن الرئيس الجديد قد تبنى معظم مفردات صيغة الإدارة السابقة للخروج من العراق، وذلك بمد فترة سحب القوات من العراق لثلاث سنوات إضافية، وهو "تغيير" ضئيل للغاية في سياسات الإدارة السابقة. فمنذ ثلاث سنوات، كانت استطلاعات الرأي تشير إلى أن أغلبية الأميركيين يعتقدون أن صناع سياستنا كانوا على خطأ، عندما أصدروا أوامرهم بإرسال قواتنا المسلحة إلى العراق. ومن المقبول على نطاق واسع أن هذا الاعتقاد، على وجه التحديد، وربما أكثر من أي عامل آخر، كان هو السبب في حصول الديمقراطيين على الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب في انتخابات الكونجرس عام 2006. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل سنتجاهل، خلال ثلاث سنوات أخرى، التفويض العام الذي تم الحصول عليه من خلال انتخابات 2006 ضد هذه الحرب الباهظة الأكلاف، والاستباقية، والقائمة على الخداع؟ وكيف يمكن لنا تبرير إرسال عدة آلاف إضافية من قواتنا إلى أفغانستان؟ لقد استنزفنا خزانتنا، على نحو ما يتضح حالياً للجميع، وعلى ما يبدو فإننا على وشك استنزاف رجالنا أيضاً. هل هناك شك يمكن أن يساور أي أميركي حول حقيقة أن تكلفة الحربين الهائلتين، قد ساهمت في الأزمة المالية الطاحنة التي تعاني منها بلادنا في الوقت الراهن؟ إن كُلفة شن حربين في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى فقدان المداخيل التي كان يمكن أن تجد طريقها إلى الخزانة العامة في حال لو لم تقم إدارة بوش بتقديم تخفيضات ضريبية، قد جعل الدين الوطني يرتفع إلى مستويات قياسية. هل فكر أي أحد في قيمة الفائدة على القروض الهائلة التي اقترضناها من الصين والبالغة 10 تريليونات دولار؟ يجب أن نعترف بكل صراحة أنه ليس بمقدورنا خوض حربين في نفس الوقت والاستمرار فيهما عاماً بعد عام، إذا ما كنا نريد تحقيق التوازن في ميزانيتنا الاتحادية، وإعادة اقتصادنا إلى سابق عهده. إن العلاوات والحوافز الهائلة التي قرر مديرو المؤسسات المالية والبنوك المتهاوية صرفها لأنفسهم، قد أغضبت الشعب -عن حق- إيما غضب، لكن هذه العلاوات والحوافز، رغم ضخامتها، لا تعد مع ذلك شيئاً إذا ما قورنت بمبلغ 12 مليار دولار الذي كنا نضخه للعراق وأفغانستان شهرياً على مدار السنوات الست الماضية. هل فوضَنَا الربُّ في الأعالي، أو مخلوقاته على الأرض، إدارة شؤون الشرق الأوسط؟ ماذا يمكن أن نقول للشعب العراقي الذي عبر في أكثر من استطلاع رأي تم إجراؤه، وبأغلبية كاسحة، عن رغبته في خروج القوات الأميركية من وطنه دون إبطاء؟ ما الذي يحول بيننا وبين إدراك أن مثل هذا الشعور يعد طبيعياً بعد أن قامت معداتنا العسكرية، بتدمير منازلهم، ومبانيهم العامة، وبنيتهم التحتية، بما في ذلك مرافق المياه والكهرباء..؟! من الطبيعي أن تكون أكثر خسائر هذه الحرب إيلاماً على وجه الإطلاق، هي موت 4200 ضابط وجندي أميركي، بالإضافة إلى مئات الآلاف من المدنيين العراقيين. ناهيك عن تدني الثقة في قدرتنا على الحكم السليم، وفي مكانتنا الأخلاقية في العالم. توصي إدارة أوباما في الوقت الراهن بترك زهاء 50 ألف جندي في العراق كي يقوموا بالمحافظة على الأمن في البلاد، إلى أن يحين موعد الخروج النهائي منها عام 2011. وهناك احتمال لاندلاع أعمال عنف في العراق، تستدعي من تلك القوات البقاء هناك إلى ما لا نهاية، للتعامل مع الفوضى التي لابد وأن تنتشر كنتيجة لسنوات الحرب. عندما نفعل ذلك، فالمعنى هو أننا لم نستفد من تجربة الحرب في كوريا، عندما أرسل الرئيس ترومان عام 1950 جنوداً أميركيين إلى شبه الجزيرة الكورية، للمحافظة على الأمن والاستقرار خلال فترة قصيرة، ولا تستدعي بالتالي إعلان الحرب رسمياً. وبدون دخول في التفاصيل وتطورات الأحداث التاريخية هناك، يكفي أن نعرف في هذا السياق أن ثمة حتى الآن ما لا يقل عن 30 ألف جندي أميركي يرابطون في قواعد بشبه الجزيرة الكورية، بعد انقضاء قرابة تسعة وخمسين عاماً على الأمر الذي أصدره ترومان بإرسال قوات إلى هناك. صناع سياساتنا يرون أن الضرورة تستدعي الاحتفاظ بقوات أميركية في الشرق الأوسط من أجل الحد من الإرهاب، غير أني في الحقيقة اختلف مع هذا الرأي، وأعتقد اعتقاداً جازماً بأن استمرار وجود قواتنا في العراق وأفغانستان، وغيرهما من بلدان الشرق الأوسط، هو الذي يغذي الإرهاب ضد الولايات المتحدة، ويساهم في استمراره. ليست هناك دولة مستقلة وذات سيادة، ترغب في وجود قوات أجنبية على أرضها. لقد علمنا هذا الدرس للإمبراطورية البريطانية عام 1776 عندما تمكن جورج واشنطن، وجيشه المكون من جنود يرتدون ملابس رثة، من طرد جنود الإمبراطورية البريطانية عن سواحل الولايات المتحدة. إن جيلي شهد ما لا يقل عن ست حروب، ابتداءً من الحرب العالمية الثانية، ثم حرب كوريا، ثم فيتنام، ثم العراق، بالإضافة إلى عدد آخر من الصراعات الأقل حجماً. بيد أن الحرب الوحيدة التي أؤمن بها حقاً هي، مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، والتي خدمت فيها كطيار قاذفات مقاتلة ضد قوات ألمانيا النازية. أعتقد أن جيل المقاتلين القدماء الذي انتمي إليه مطالب باقتسام ما تعلمه خلال التجارب التي مر بها، مع باقي أفراد الشعب الأميركي، ومع رئيسنا الشاب الذي يبدو على استعداد لتقبل المقترحات حسنة النية. انطلاقاً من هذه الروح، فإنني أحث رئيسنا باراك أوباما على إعادة قواتنا من الشرق الأوسط هذا العام. وفي رأيي أن التاريخ المناسب لإكمال انسحاب منظم من هاتين الحربين المكلفتين، والتي لم يتم التفكير فيهما على نحو جيد، هو يوم عيد الشكر (الخميس الذي يسبق السبت ما قبل الأخير من شهر نوفمبر) عام 2009. وأقول لرئيسنا أيضاً: بالله عليك، ومراعاة لمشاعرنا وللمصلحة القومية، أخرج بنا من هناك ودعنا نبدأ في علاج بلدنا المفلس. جورج ماكجفرن سيناتور سابق من ساوث داكوتا، كان مرشحا عن الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة عام 1972 ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"