المعنى الشائع للحرية لدى العامة يتمثل في القول المشهور، "تنتهي حريتك حيث تبدأ حرية الآخرين"، وهو مما لم يعد مقبولاً اليوم في ظل التطور الهائل للحريات المدنية والفكرية. وتقوم الفكرة الجديدة للحرية الشخصية بكل أنواعها على أساس الأذى الذي تسببه ممارسة هذه الحرية للآخرين. ولم يعد مجدياً، أو لنقل بما يتعارض مع تطور مفهوم الحرية، الاحتجاج بالأذى النفسي أو الديني، إذ أصبح مناط ممارسة الحرية متعلقاً بتحقيق الأذى المادي المتحقق بالآخرين حين يدعون ذلك. وحيث إن التراث العربي والإسلامي لا يسعفنا في هذا المجال بسبب عدم وضوح مصطلح الحرية في التراث العربي- الإسلامي، فلابد من العودة إلى الأصل، أي الفكر الغربي. ولنأخذ مثلاً حرية التعبير، حيث تطورت في الغرب لتشمل كل الموضوعات الدينية والدنيوية بدون استثناء، دون أن يقصدوا إهانة القيم الدينية للآخرين، وهو ما لا يستطيع العقل الشرقي المتدين تقبله أو استيعابه. وكذلك الأمر مع الحرية الدينية، حيث يقتصر الأمر في الدساتير العربية على نطاق العقيدة الداخلي والتمييز بين ما هو داخل الإسلام وخارجه، مع الكثير من التحفظ على الممارسات الدينية لغير المسلمين كمنع بناء الكنائس مثلاً، حين تصبح نفس الحرية عند الغربيين ممثلة لفضاء مفتوح لكل الديانات السماوية والبشرية ومنح الحق لكل دين أو مذهب ديني في ممارسة الشعائر بصورة متساوية، فتجد تبعاً لذلك المساجد جنباً إلى جنب مع المعابد مثلاً. وما انفتاحهم الفكري في قضية العقيدة إلا دليل على اعتبارهم أن ممارسة كل طائفة لدينها لا تسبب ضرراً معنوياً أو قيمياً للآخرين، ومن ثم لا يحق للآخرين الاعتراض. ومن الأمثلة الدالة أيضاً تهمة الردة الدينية التي لا يزال المسلمون يتعلقون بها ضد كل من يتهم بالخروج عن دين الإسلام، ويترتب على ذلك تفريقه عن زوجته وعدم دفنه في مقابر المسلمين، وربما تجريده من بعض حقوقه الإنسانية. وقد يستحيل لأي مسلم اثبات أن هذه الردة قد آذته شخصياً، أو حتى أنها أحدثت الأذى للمجتمع. ولا عبرة للأذى النفسي الذي قد يدعيه البعض، لأنه مما لا يمكن إثباته. وعلى هذا الأساس الفلسفي الجديد لفكرة حرية التعبير وحرية العقيدة لم يعد محل اعتبار لدى القضاء في الدول الغربية ما يدعيه البعض عن الضرر النفسي الذي ألحقه فلان بدينه، لأنه مما لا يمكن إثباته. بل شهدت الولايات المتحدة جدلاً قوياً حول مدى اعتبار حرق العلم الأميركي أثناء معارضة الأميركيين لحرب فيتنام خيانة وطنية، وقد انتهى الرأي إلى التفريق بين الحق السياسي ممثلاً بحرية التعبير، والقيام بالعمل لهدف آخر، وعلى الجهة التي ترفع الدعوى إثبات الأذى المادي المترتب على حرق العلم الأميركي. لسنا نقول إن الغربيين على حق أو إن المسلمين على خطأ في مجال ممارسة حرية التعبير، لأن اختلاف المفاهيم يؤدي إلى اختلاف وجهات النظر لنفس الموضوع. ففي الغرب يتوسعون في مفهوم وممارسة حرية التعبير، في مقابل التضييق الذي يتبناه المسلمون في عقولهم وبلدانهم. ولاشك أن القوانين العربية لا تعترف بالرؤية الغربية، كما حدث بالنسبة للبهائيين في مصر مثلاً، أو في سجناء الرأي في كثير من البلاد العربية. وقد يحلو للبعض الاستشهاد بالموقف الغربي من المحرقة النازية لليهود، وهي جريمة لا تزال تؤرق المجتمع الغربي، لكن في المقابل لابد من الاعتراف بأنها تمثل حالة استثنائية من الأصل، وليست القاعدة. بل إن الشواهد المعاصرة تدل على ارتخاء قبضة القانون في كثير من الدول الأوروبية في هذه القضية. قضية الحرية التي لا تزال في المهد عند العرب والمسلمين، ما عادت قضية تلقى همّاً لدى الغربيين، لأنها أصبحت من طبيعة الأشياء. فمتى يصحو العرب المسلمون؟