أطلقت منظمة الصحة العالمية نهاية الأسبوع الماضي، الطبعة الأخيرة من دليل السفر والصحة الدولية (The International Travel and Health)، الذي يوفر إرشادات مهمة وإجراءات احترازية ضرورية، لكل من العاملين في المجال الطبي والعامة على حد سواء، لغرض تجنب والوقاية من المخاطر الصحية التي يمكن أن يتعرض لها المسافرون عبر الدول والقارات. وتحتوي الطبعة الجديدة من الدليل على فصل كامل جديد عن الصحة النفسية أثناء السفر، بالإضافة إلى خرائط تفصيلية للأمراض المُعدية الخطيرة، مع آخر تحديث لجداول ومواعيد التطعيمات الموصى بها. ويأتي نشر هذا الدليل في وقت أدت فيه ظاهرة العولمة خلال السنوات القليلة الماضية إلى زيادة انتشار الأمراض، وزيادة تعرض المسافرين لبيئات صحية مختلفة ومتنوعة. فالتقديرات الأخيرة تشير إلى أن أكثر من 600 مليون شخص يسافرون سنوياً حالياً خارج دولهم الأصلية، منهم 80 مليوناً يسافرون من دول متقدمة غنية تتمتع بنظم صحية ممتازة، إلى دول نامية فقيرة لا تتوفر بها مقومات الرعاية الصحية الأساسية. وإذا ما أضفنا عدد من يسافرون لغرض السياحة والترفيه، فسنجد أن هذا العدد يصل إلى أكثر من 900 مليون شخص سنوياً، حسب تقديرات منظمة السياحة الدولية (World Tourism Organization). والحال أن تعرض بعض هؤلاء المئات من الملايين من المسافرين للمرض والاعتلال أثناء سفرهم، ليس بالشيء الجديد أو الحديث. فعلى سبيل المثال، يتعرض ما بين 10 في المئة إلى 20 في المئة من المسافرين لحالات من الإسهال الشديد، المصاحب بمغص وغثيان وانتفاخ، وهي الحالة المعروفة بإسهال المسافرين (Travelers Diarrhea). وتنتشر الإصابة بهذا النوع من الإسهال أثناء السفر إلى درجة أنه أصبح يشار إليها في كتب السفر والأدلة السياحية بتعبيرات ظريفة ولطيفة أحياناً. فمثلا في حالة الإصابة به أثناء زيارة مصر، يطلق عليه انتقام فرعون (Pharos Revenge)، أما إذا ما كان المسافر في المكسيك، فيطلق عليه انتقام مونتي- زوما (Montezuma Revenge)، في إشارة إلى "موكتيزوما" آخر ملوك الأزتيك، الذين هزمهم الغزاة الإسبان وقضوا على حضارتهم تماماً في بداية القرن السادس عشر. وتمتد هذه التعبيرات الساخرة لتشمل أيضاً حالات إسهال المسافرين في الهند، ليطلق عليها حينها "دلهي بلي" (Delhi Belly)، وحالات المسافرين لجنوب شرق آسيا حيث يطلق عليها التسونامي الآسيوي، أو (Thai-dal wave) للمسافرين إلى تايلاند. وكل هذه التعبيرات والتعليقات، تظهر مدى تعرض المسافرين لهذه الوعكة الصحية إلى درجة أن إسهال المسافرين أصبح جزءاً من الثقافة الشعبية، وإحدى النتائج الحتمية في الكثير من الحالات للانتقال من بلد إلى آخر، أو من قارة إلى أخرى. وبخلاف الإسهال، البسيط نسبياً وسهل العلاج إلى حد كبير، كثيراً ما تكون الأمراض والعلل التي يتعرض لها المسافرون خطيرة، وقاتلة أحياناً. فالدراسات والإحصائيات الطبية تظهر أن أمراض القلب والشرايين مثلا، تتسبب في 50 في المئة إلى 70 في المئة من الوفيات التي تحدث أثناء السفر، وتتبعها في ذلك الإصابات والحوادث بنسبة 25 في المئة، ثم الأمراض المعدية بنسبة 5 في المئة تقريباً. وهذه الحزمة من الأمراض بالتحديد، أصبحت تتعدى التأثير الشخصي على المسافر الفرد، لتشكل خطراً داهماً على الصحة الدولية برمتها. فعلى سبيل المثال يمثل السفر تهديداً خاصاً على صعيد انتقال الأمراض التنفسية المعدية، مثل الأنفلونزا، والحصبة، والسارس، والسل الرئوي، بين بلد وآخر في غضون أيام وساعات معدودة. وبالفعل، تم اكتشاف عدة أوبئة محدودة من هذه الأمراض، كانت قد انتقلت مع المسافرين على الطائرات. بل يعتقد الكثيرون أن وباء الأنفلونزا المتوقع وقوعه حتماً، سوف يلعب السفر الجوي دوراً رئيسياً في انتشاره بين الدول والقارات. أما الأمراض المُعدية التي تنتقل عن طريق الحشرات، فقد شهدت هي الأخرى زيادة واضحة في معدلاتها، وفي النطاق الجغرافي لانتشارها، كنتيجة للتنقل والترحال بين الدول والقارات الذي أصبح سمة رئيسية من سمات الحياة العصرية الحديثة. فالملاريا مثلا، التي تنتقل عن طريق لدغات البعوض، أصبحت تتواجد في مناطق لم يكن معروف وجودها بها من قبل. وما يحدث هو أنه عند سفر شخص ما إلى منطقة موبوءة، يصاب بالمرض عن طريق البعوض، ليعود إلى بلاده حاملا الطفيلي في دمه. وعند محاولة البعوض المحلي التغذي على دمه، يصاب البعوض أيضاً بالطفيلي، لينقله إلى باقي السكان المحليين، وهلم جرا. وهو تماماً ما حدث مع طاعون "الموت الأسود" الذي اجتاح أوروبا في بداية القرن الرابع عشر، ليقتل أكثر من نصف سكان القارة حينها. ويعتقد المؤرخون أن هذا الطاعون انتقل من آسيا، في دماء البراغيث المحملة على ظهور الفئران التي نقلتها السفن التجارية في بداية عصر الاكتشاف. وهذا الدور الخطير والمحوري في انتقال الحشرات والأمراض مع المسافرين، وداخل وسائل الانتقال المختلفة، تجلى نهاية الأسبوع الماضي أيضاً، مع عقد الحكومة الأميركية لأول مؤتمر عن بق الفراش (Bed Bug)، بعد أن عاودت هذه الحشرة الماصة للدماء الظهور بشكل قوي في العديد من الفنادق، والمستشفيات، عبر الكثير من المدن الأميركية. ويعتقد المتخصصون في هذا المجال أن ارتفاع حركة السفر الداخلي، والدولي أيضاً، هو سبب رئيسي في هذه العودة المرعبة لحشرة اعتقد الكثيرون أنه قد تم القضاء عليها قبل سنوات الحرب العالمية الثانية. ومثل هذه التطورات، وغيرها الكثير، يظهر بشكل جلي أهمية الإرشادات والإجراءات التي تضمنها دليل منظمة الصحة العالمية في طبعته الأخيرة، إذا ما كان لنا أن ننعم بفوائد السفر السبع، دون أن نغص بمخاطره الصحية الكثيرة والعديدة هي الأخرى.