لم يكن في الأمر أي تعذيب، أخطأت فضائيات الأخبار حين اتهمتهم بتعذيب سجناء أبوغريب، فالألفاظ والنعوت غاية في الأهمية لأنها أوشكت على أن تكون وصفاً دقيقاً لما يجري وما كان وما سيكون غداً.
فهل هذا الاعتداء الأسود على إنسانية السجين تعذيب، ليس كذلك تماماً، إنها فكرة تذهب إلى أبعد من تعذيب ولمعنى أكثر عمقاً وقساوة، فهم لم يضربوا بالسياط لتكتوي جلودهم برجولة الموقف، ولم تنتزع أظفارهم ليكون الألم إشهاراً معلناً لرفض الرجل لسجن وغريب محتل، ولم يعاملوا بوحشية تعلن أن ها هنا رجالاً لا يعبأون بعذاب أجسادهم ليحتملوا كل ما يمكن في سبيل شرف الرفض .
إنه الغاية الأفظع التي تحققت بما مارسه الأميركان ضد إنسانية العراقي، فقد اجتاحوا شرفه، وإنسانيته في أن يحلم بالحياة غداً. ليته كان تعذيباً متوقعاً. إنه موقف أشد بشاعة وأكثر عتمة من هول العذاب الذي ذاقه أولئك الرجال. فهل أصعب من شرف يستباح بسهولة، من عورة تعرض كأنها سلعة يعرضها الجندي ويدرك ماذا يعني العبث بخلع حياء العربي ورميه بمخلفاتهم القذرة إمعاناً في الإذلال.
لعله سؤال يأتي بذاته ويطرح فحواه، ماذا سيقول المدافعون عن الاحتلال؟! عن تجني دولة عظمى على دولة أهلكتها الموانع ونظام سياسي فاسد، وشعب مقهور منذ عقود طويلة؟! كيف سيكون تبرير هذه الوحشية، هل سيدعون أنه خطأ غير مقصود؟ هل سيقولون إنها مؤامرة مضادة لمفاهيم شعب الله المختار الذي يدعي أن أميركا هي بذاتها ليست أهلاً لكل هذا الهجوم!
ثم ماذا... يبحثون في إيجاد متسع من جوانتانامو لأنه سجن صغير لا يكفي إلا لألف سجين.. وهناك يدّعون إنسانية تعاملهم مع إرهابي القرن.. والخارجون من غياهب الجزيرة الكوبية يقولون العكس، لأن الأمر ببساطة سقط في فخ اللاعدالة والاتهام الممعن في سد الآذان والإيغال في حبس البريء حتى وإن ثبت أنه في الأساس لا يعرف ماذا يعني تنظيم القاعدة!
هي قيمة الإنسان المنعوت بالعدم. عالم ثالث لا يعني سوى أنهم كالدواب، وبالتالي تستباح أعراضهم وأجسادهم وأحلامهم الطيبة بروح تستشرف الغد المضيء وليذهبوا إلى الجحيم ما دام أنهم ممعنون في الهجرة نحو ذواتهم، وبالتالي يعلنون رفضهم لقوى السحق المقيت التي جاءت بها آلة الحرب والتي ذهبت لمصافي البترول بحثاً عن كنز هؤلاء الدواب الذين لا يفقهون سوى الموت ولا يستحقون أكثر من درب يوصل إليه بجرم الدفاع عن وطن وعرض وكرامة.
لكن ماذا تعني الكرامة في قواميسهم؟ إنها الثوابت التي تأتيهم كل يوم مزينة بعلمهم المزركش كثوب مهرج لا أكثر، ربما أحزنتهم هذه الجثث!
وليس لهم فرصة التفكير في أبعد من أرواح خسروها ولم يروا كم من الأرواح زهقت بسبب رعونة قرارهم بالحرب وإعلان الموت لدولة عظيمة بطريقتها الخاصة.
هل سينام السجان والمسجون؟ كيف لهما أن يستغرقا في نوم دون كابوس اليقظة، ودون المرور فوق نزف يتفجر مع كل لحظة، ليس تعذيباً بالتأكيد، ما زال هناك قليل من صبر للبحث عن مفردة أكثر وحشية من معنى "التعذيب".