خلال الآونة الأخيرة ألقى "ستيفن تشو"، عالم الفيزياء الحائز على جائزة نوبل ووزير الطاقة في إدارة أوباما، خطاباً لم يأت فيه على ذكر كلمتين اثنتين؛ حيث تحدث حول الكفاءة في استهلاك الطاقة، وخطوط نقل الكهرباء، ومصادر الطاقة المتجددة؛ كما تحدث حول التكنولوجيا وضرورة تمويل البحوث في مجال الطاقة؛ غير أن نائب رئيس شركة تشيفرون بيتر روبنسون لفت لاحقاً إلى أنه "سيكون من المستحب سماع شيء عن النفط والغاز". والحال أن النفط والغاز الطبيعي ليسا الشيء الذي يهيمن على أجندة أوباما في مجال الطاقة. فالرئيس الجديد يعتزم الانكباب على تغيير طبيعة الطاقة الأميركية، من طريقة استعمالها إلى طريقة إنتاجها، وهو الهدف الذي يحرك سياستَه تجاه شركات صناعة السيارات التي يريد أن يدفعها إلى صناعة مزيد من السيارات التي تتميز بالكفاءة في استهلاك الطاقة. ولهذا السبب، رصد أوباما مبلغاً ضخماً ضمن مشروع قانون تنشيط الاقتصاد، نحو 70 مليار دولار أو أكثر من المنح والقروض وضمانات القروض ليخصصها الوزير "تشو" للمشاريع البحثية والتجارية في مجال التكنولوجيا للطاقة المتجددة مثل الوقود الحيوي والطاقة الشمسية والطاقة المستخرجة من الرياح وحرارة الأرض، وهو ما يعادل تقريباً ضعف ميزانية وزارة الطاقة بثلاث مرات، ويفوق الميزانيتين السنويتين لوزارتي العمل والداخلية مجتمعتين. والحقيقة أنها ليست المرة الأولى التي يضع فيها رئيس أجندة طموحة بخصوص السياسة الأميركية في مجال الطاقة؛ ذلك أن كل واحد من الرؤساء الذين أعقبوا نيكسون كان يتعهد بتشجيع ودعم الاستقلال النفطي، بل إن جيمي كارتر ذهب إلى أبعد حد في نهاية السبعينيات حين أعلن "المعادل الأخلاقي للحرب" على استعمال الطاقة قبل أن يصل رونالد ريجان إلى البيت الأبيض، فيلغي الامتياز الضريبي بخصوص الطاقة الشمسية ويزيل الألواح الشمسية التي كان كارتر قد ركبها على سطح البيت الأبيض. وهكذا، أُعلن عن نهاية الحرب حتى قبل أن تبدأ. اليوم استُؤنفت المعركة، ولكنها لا تتعلق بوقف اعتماد الولايات المتحدة على الواردات النفطية فحسب، وإنما أيضاً بإبطاء تغير المناخ الذي يقول معظم العلماء إنه يهدد بإلحاق أضرار كارثية بالبيئة والاقتصاد خلال العقود الأربعة المقبلة. ولذلك، فإنه من بين الأشياء التي ستأتي بها الإدارة الحالية مستقبلا مشروع قانون حول الطاقة يحدد قواعد ومعايير للطاقة المتجددة على النطاق الوطني، إضافة إلى برنامج واسع هدفه الحد من الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري، وزيادة سعر كل شيء، من الجازولين إلى البلاستيك إلى الكهرباء، وإنتاج أكثر من 100 مليار دولار من العائدات سنوياً. وتعليقاً على هذا الأمر يقول "جريج ويتستون"، مدير إدارة الشؤون العامة بالجمعية الأميركية لطاقة الرياح:"إن ثورة الطاقة النظيفة تحدث الآن". والواقع أن التوقعات بشأن أجندة أوباما بخصوص الطاقة والمناخ عالية. وفي هذا السياق قال "كارل بوب"، المدير التنفيذي لـ (نادي سييرا): "إن الرئيس رفع التحدي إلى الأعلى كثيرا". ولكن هل التحدي عال بما يكفي؟ فقطاع الطاقة في أميركا كبير، وكذلك الحال بالنسبة لمهمة تغييره؛ ذلك أن قطاع الطاقة التقليدي ليس قوياً سياسياً فحسب، وإنما كبير ومن الصعب تغييره أو استبداله. فالولايات المتحدة تتوفر على نحو 500 محطة لتوليد الطاقة باستعمال الفحم توفر نصف الكهرباء التي تستهلكها البلاد، وعلى آلاف الأميال من خطوط الكهرباء منخفضة الضغط، وأكثر من 100 مليون "عداد غبي"، و240 مليون سيارة تشتغل بالديزل أو الجازولين ذي الكفاءة الضعيفة. وعلى رغم كبر وأهمية النصيب المخصص للطاقة ضمن حزمة تنشيط الاقتصاد، إلا أنه يعادل ما تنفقه الشركات النفطية الثلاث الأولى في العالم كل سنة، علما بأن تجارة الطاقة الأميركية تبلغ 1.6 تريليون دولار سنويا. والحقيقة أن هدف أوباما المتمثل في مضاعفة الطاقة المتجددة لن يمنح الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والحرارة الأرضية سوى 2 في المئة مما تنتجه البلاد من الطاقة؛ كما أن خفضا مهما لاستعمال الطاقة سيجعل البلاد، والكوكب، مفتقرا أكثر إلى ما يتطلبه إبطاءُ وتيرة تغير المناخ بشكل مهم. هذا وتتوقع إدارة المعلومات التابعة لوزارة الطاقة أنه رغم النمو السريع في مصادر الطاقة المتجددة وارتفاع أسعار النفط، ستظل أنواع الوقود الأحفوري تساهم بـ79 في المئة من احتياجات البلاد من الطاقة بحلول 2030. في هذه الأثناء، وبينما يقوم أوباما بالترويج لمخططاته في مجال الطاقة والمناخ في إطار الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقلال النفطي للولايات المتحدة، فإنه يستبعد أي زيادة في ضريبة الجازولين، التي تُعد الطريقة الأكثر فعالية لخفض استهلاك النفط على اعتبار أن أزيد من نصف النفط المستعمل في الولايات المتحدة يذهب إلى خزانات السيارات والشاحنات. والحال أن من شأن ضريبة على الجازولين أن تفتح على الأرجح شهية المستهلك للسيارات الأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة التي يريد أوباما من شركات صناعة السيارات أن تنتجها. ثم إن عدم وضوح الخطاب حول الطاقة المتجددة والاستقلال النفطي يحجب حقيقة أنه رغم عدم طرح السيارات الكهربائية للبيع بكميات وافرة في الأسواق – وذاك أمر مازال بعيد المنال، في الوقت الراهن على الأقل – فإن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تستطيعان خفض استعمال الفحم والانبعاثات الغازية، إلا أنهما لن تساهما في ادخار قطرة نفط واحدة. بيد أن الظروف لم تكن في يوم من الأيام مساعدة على التغيير في سياسة الطاقة والمناخ في أميركا مثلما هي اليوم. فقبل اثنين وثلاثين عاماً، دعا جيمي كارتر الأميركيين إلى "الصبر وتقديم التضحيات" من أجل خفض استهلاك النفط والحفاظ على القوة الأميركية. أما في عهد أوباما، فقد برز مصطلح جديد يَعد بـ"وظائف خضراء" و"ثورة بخصوص فعالية الطاقة... تحافظ على مال المستهلك وتحفز الإبداع والابتكار". والزمن كفيل بإثبات ذلك أو نفيه؛ فقد تطلب الأمر أكثر من قرن من الزمن لإنشاء قطاعي النفط والكهرباء في أميركا، وسيتطلب إصلاحهما أكثر من ولاية رئاسية. -------- ستيفن موفسن صحفي أميركي متخصص في شؤون الطاقة -------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"