كان الهدف الرئيسي من زيارة الرئيس أوباما إلى تركيا مؤخراً هو تعزيز العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وإحدى الدول الأعضاء في حلف "الناتو"، خاصة بعد أن أصبحت تركيا لاعباً رئيسياً في الجغرافيا السياسية لبحر قزوين ومنطقة الشرق الأوسط الكبير. وقد اتسم الخطاب الذي ألقاه أوباما أمام البرلمان التركي في السادس من إبريل الجاري، بقدر كبير من الكياسة والحرص على تأكيد الانتماء الغربي لتركيا وجدارتها بنيل عضوية الاتحاد الأوروبي. وضمن ذلك تحدث أوباما عن تفرد واستثنائية الزعيم كمال أتاتورك، الأب المؤسس لدولة تركيا الحديثة، وقال إن أهم تركة خلّفها أتاتورك لبلاده، كونها دولة ديمقراطية قوية علمانية مزدهرة، شأنها في ذلك شأن الولايات المتحدة الأميركية، إذ تعد الديمقراطية التركية إنجازاً وطنياً خالصاً لها، طالما أنها لم تُفرض عليها فرضاً من قبل أي قوة خارجية. وقد حققت تلك الزيارة نجاحاً باهراً من وجهة نظر المسؤولين الحكوميين وغالبية الشعب التركي. ذلك أن أوباما لم يبرع في اختيار النبرة الصحيحة في الحديث عن الديمقراطية التركية والإسلام والإرهاب فحسب، إذ تعرض في خطابه بالنقد لـ"حزب العمال الكردستاني"، بل إن أكثر ما أشاع الشعور بالارتياح في نفوس الأتراك، تحاشيه الإشارة إلى أي مسؤولية مباشرة لتركيا عن حملات الإبادة الجماعية التي تعرضت لها الأقلية الأرمنية خلال الحرب العالمية الأولى. يذكر أن أوباما كان قد أصدر بياناً بتاريخ 19 يناير 2008، أثناء حملة سباقه الانتخابي الرئاسي، قال فيه حرفياً: "بصفتي عضواً بمجلس الشيوخ الأميركي، فإنني أؤيد بقوة إصدار القرار الخاص بالإبادة الجماعية الأرمنية، وأعد بالاعتراف بحدوث هذه الإبادة، فيما لو انتخبت رئيساً للولايات المتحدة الأميركية". لكن وعلى رغم ذلك التعهد، تمكن أوباما خلال زيارته إلى تركيا، من تجنب المواجهة المباشرة مع قادة اسطنبول، حرصاً منه على تشجيع تقدم العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وأرمينيا، وأملا منه في اقتراب موعد تطبيع العلاقات بين الجارتين المتخاصمتين، وفتح الحدود المشتركة بينهما. وعليه، فقد أشار أوباما في خطابه إلى ما وصفه بـ"حوادث عام 1915 المروعة"، إلا أنه تجنب الحديث عن أي مسؤولية تركية محددة عنها، إلى جانب تفاديه استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية" الذي لا يزال يثير حساسية غالبية الأتراك. إلى ذلك عبّر أوباما في خطابه، عن دعمه الصريح لمساعي تركيا الهادفة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وربما كان هذا الدعم معيناً له في الترحيب الكبير الذي حظي به في تركيا، إلا أنه أثار ردود أفعال سياسية حادة عليه من الجانب الأوروبي، نظراً للحساسية العالية التي يبديها القادة الأوروبيون حيال هذا الموضوع بالذات. وقد أعقبت التصريحات التي شملها خطاب أوباما في تركيا، موجة من الجدل والخلاف حول اختيار الأمين العام الجديد لحلف "الناتو". ويذكر أن الأوروبيين رشحوا رئيس الوزراء الدنماركي السابق أندريس راسموسين، بدعم من واشنطن، غير أن تركيا أبدت اعتراضاً قوياً على ذلك الترشيح، قائلة في حينه إن راسموسين كان قد دافع عن نشر الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم في عام 2005. وقد أثار ذلك الاعتراض غضب وزير الخارجية الفرنسي بيرنارد كوشنير -المعروف بنزعته الليبرالية- إلى درجة صرح فيها قائلا، في السابع من شهر إبريل الجاري، إنه ربما لا يدعم مطلقاً فكرة انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي. وعلى رغم عدول تركيا عن موقفها السابق الرافض لترشيح "راسموسين"، استجابة لتدخل أوباما في الأمر، بما أكد دعمها للترشيح الأوروبي، إلا أن ذلك لم يثن "كوشنير" عن توجيه انتقاداته الحادة لأوباما بالقول: "إنه ليس من شأن الأميركيين أن يقرروا نيابة عن أوروبا، من يحق له الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من خلافه". ومهما يكن من طموح تركيا وعلو سقف آمالها في الالتحاق قريباً بمجموعة الدول الأوروبية، إلا أن الحقيقة تؤكد اتساع الرفض بين الأوروبيين لمنح اسطنبول حق العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي. وتعد حكومتا فرنسا وألمانيا، أشد القيادات الأوروبية تعنتاً وإصراراً على هذا الموقف الرافض. والأسباب: تزايد معدلات العمالة التركية المهاجرة في معظم الدول الأوروبية، إلى جانب المخاوف الناشئة عن انتشار موجة العنف والتطرف الإسلاميين في العديد من كبريات الدول الأوروبية مؤخراً، بما فيها بريطانيا، وفرنسا، وهولندا، وإيطاليا، وإسبانيا، والدنمارك. على أن كل هذه المخاوف والاعتراضات لا تقلل من صحة تأكيد أوباما لأهمية الدور التركي، وقوله إن لأوروبا مصلحة حيوية في تعزيز علاقاتها مع اسطنبول، حتى وإن لم يرق هذا التعزيز إلى مستوى منحها حق العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي. والذي أعطى هذا الدور التركي أهمية استراتيجية مضاعفة، مساعي الوساطة التي قامت بها اسطنبول مؤخراً في حل العديد من جوانب النزاع العربي الإسرائيلي. وقد كان أقربها ما قامت به من دور في التفاوض غير المباشر بين دمشق وتل آبيب، على أمل التوصل إلى اتفاق تفاوض مباشر يضع حداً سلمياً للنزاع الإسرائيلي -السوري على مرتفعات الجولان. وليست هذه سوى مبادرة واحدة بين مبادرات عديدة أخرى، أكدت بها تركيا قدرتها على التوسط الفاعل في حل النزاعات الشرق أوسطية. أما على الصعيد الأوروبي، فتعد تركيا معبراً بديلا لخط أنابيب الطاقة المتجهة إلى شتى دول الاتحاد الأوروبي، علماً بأن من شأن هذا الخط البديل أن يحرر الأوروبيين من هيمنة روسيا وانفرادها بتوفير خطوط إمداد الطاقة التي تحتاجها بلدانهم، خاصة إذا كان المقصود بهذه الطاقة الغاز الطبيعي. وطالما ظلت تركيا على حرصها ووفائها لتراث الديمقراطية العلمانية الذي خلّفه لها زعيمها المؤسس أتاتورك، فلن تنعدم سبل إدماجها بقدر أكبر وأعمق في النظام الاقتصادي والساحة السياسية الأوروبية. لكن وفي حال تزحزح تركيا عن ذلك التراث العلماني وبدء التراجع عنه، فلا شك أن تنشأ بينها وأوروبا أزمة عميقة خطيرة لا سبيل إلى تفاديها. وفيما لو حدث تطور سلبي كهذا، فسوف يتعين على واشنطن إعادة النظر في سياساتها الداعمة لمساعي اسطنبول لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي.