في عام 1947، نشر جورج أورويل مقالة استشرافية، عنوانها "نحو وحدة أوروبية" قال فيها إن الأمل الوحيد للاشتراكية هي أوروبا لأنها القارة الوحيدة التي "تعني فيها الاشتراكية الحرية، والمساواة، والدولانية". وتنبأ أورويل في هذه المقالة بأن الاشتراكية هي التي ستسود في النهاية وأن الرأسمالية تخوض معركتها الأخيرة. ورغم أن ما تنبأ به في هذه المقالة من مواجهة نووية بين القوتين الأكبر في العالم، لم يتحقق، فإن التطورات الجيوبوليتيكية التي شهدها العالم، والتغير المناخي... جعلت تبنؤاته تبدو، بعد 62 عاماً، وكأنها صحيحة إلى حد كبير، بشرط واحد هو شطب كلمة أوروبا ووضع أميركا الجنوبية مكانها. في كتابه المعنون "فلتحيا أميركا الجنوبية: رحلة عبر قارة مضطربة"، يقول المؤلف "أوليفر بالش"، وهو صحفي بريطاني يعيش في بيونس آيريس، إن الأحزاب الاشتراكية في أميركا اللاتينية، كسبت خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الانتخابات، كان آخرها في السلفادور عندما تمكنت جبهة "فارابوندو مارتي للتحرير الوطني"، من إلحاق الهزيمة بحزب "أرينا" الممثل للأوليجاركية اليمينية التي ظلت تحكم منذ القرن التاسع عشر. ويقول المؤلف إنه رغم حقيقة أن الحكومات اليسارية التي جاءت إلى السلطة بعد تلك الانتخابات لم تكن اشتراكية تماماً، وهو ما يمكن تبينه على سبيل المثال من حقيقة أن اسم الحزب الحاكم في بوليفيا هو "حزب الحركة نحو الاشتراكية"، ما يعني أن التحول الكامل نحو الاشتراكية في هذا البلد وفي القارة بأسرها لم يتحقق وأنه لا يزال يسير بخطى بطيئة لكنها واثقة. والسمة البارزة بالنسبة لتلك الاشتراكيات المتفاوتة، تمنح في نظر الكاتب، نوعاً من التفاؤل والثقة بأن الاشتراكية في هذه البلدان سوف تتطور لتعني الحرية والمساواة والدولانية، وليس الرقابة، وعدم المساواة، والنبرة الحربية التي تميز البلدان التي تحكمها أحزاب إشتراكية في أوروبا. مع ذلك فالتوقع الخاص بأن أميركا اللاتينية قادرة باشتراكيتها على حل مشكلات العالم، يمثل في نظر المؤلف نوعاً من النزق الفكري، لأن أميركا اللاتينية، رغم المد الاشتراكي الظاهر، لا تزال قارة غارقة في الفقر المدقع والعنف وذات حكومات اشتراكية غير قادرة على تمويل برامجها الاجتماعية الرامية إلى حل مشكلات الفقر والجريمة إلا من خلال الاعتماد على صادراتها من الوقود الأحفوري. ويأخذنا المؤلف عبر مراحل الرحلة الطويلة التي طاف فيها بمعظم دول القارة، والتي يصفها بأنها "رحلة عبر قارة مضطربة". وقد دارت تلك الرحلة حول محورين كان أولهما البحث عن شبح "سيمون بوليفار" الثوري الأسطوري الذي عاش في القرن التاسع عشر وقاد الحروب التي حررت معظم دول القارة من براثن الاستعمار الإسباني، والذي يصفه الكاتب بأنه كان مزيجاً من البطل صاحب الرؤية والسياسي البراجماتي، ورجل الدولة البرجوازي، والفيلسوف الأخلاقي، وزير النساء الجذاب، وأنه بهذه الصفات التي قد تبدو متناقضة، يعتبر تجسيداً دقيقا لقارة أميركا اللاتينية بكل ما يميزها من تناقضات. ويبدأ المؤلف كل فصل باقتباس من "المحرر الأعظم"، اقتباسات تشير إلى مراحل مختلفة من إرثه الذي لا يزال حياً حتى اليوم. وكل فصل من فصول الكتاب يغطي دولة من دول أميركا الجنوبية، ويركز على عنصر معين من عناصر تلك الدول. وهكذا نقرأ عناوين مثل: "كولومبيا والعنف"، "الإكوادور والسكان الأصليون"، "فنزويلا والثورة"، "بوليفيا والاقتصاد".. إلخ. ويرى النقاد أن معظم أجزاء الكتاب عبارة عن تغطيات صحفية وأنه يخلو من التحليل وأن آراء المؤلف التي ينثرها فيه تبين مدى تعاطفه مع السكان الأصليين والذين حرموا طويلا من حقوقهم، كما تبين تعاطفه مع مؤسسات الحكم الذاتي في القارة، ومع حكومة شافيز في فنزويلا، ومع المصانع المدارة ذاتياً في الأرجنتين، ومع نظام الجمعيات التعاونية في باقي بلدان القارة. يتحدث المؤلف كذلك عن نضال السكان الأصليين الذين لم يتولوا السلطة إلا حديثاً في الإكوادور وبوليفيا وفنزويلا، ويكيل النقد المرير لأعدائهم من الليبراليين الجدد. وفي فصله عن كوبا، وقد كتبه قبل تنازل فيديل كاسترو لأخيه راؤول بسبب ظروفه الصحية، يطرح المؤلف رأياً يتعارض مع مجمل آرائه حين يقول إن الدول التي يحكمها حزب واحد، تقوده شخصية ديكتاتورية ذات كاريزما جماهيرية طاغية، تميل دائماً إلى التكلس الفكري بدليل أن عاصمة مثل هافانا لم تتغير منذ خمسينيات القرن الماضي. والمؤلف لا يحلل السبب الذي دعا كوبا لأن تكون متكلسة على هذا الشكل. كما يبتدئ الفقر التحليلي للكتاب عندما يقول إن نظام الرعاية الصحية الشامل في كوبا يفتقر إلى الأدوية الأساسية، دون أن يكلف نفسه بيان أن الحصار الاقتصادي الذي استمر أزيد من خمسين عاماً، كان السبب الرئيس في ذلك. ورغم كل ذلك يظل الكتاب من الكتب القليلة الممتعة التي كتبت عن تلك القارة النابضة بالحياة، والتي تشكل أملا ووعداً للاشتراكية الحقيقية، ما يتناقض تماماً مع ما جاء في مقالة أورويل الاستشرافية التي بدأنا بها عرضنا هذا. سعيد كامل الكتاب: فلتحيا أميركا الجنوبية: رحلة عبر قارة مضطربة المؤلف أوليفر بالتش الناشر: فابر تاريخ النشر: 2009