في نظر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) التي تعتبر أكبر مستهلك للطاقة في الولايات المتحدة، يكلف إدمان الوقود مبلغاً أكبر بكثير من مبلغ الثمانية عشر مليار دولار التي أنفقتها الوزارة على الطاقة العام الماضي. وحسب تقديرات بعض مسؤولي البنتاجون، فإن السبب في وقوع نصف الخسائر البشرية العسكرية الأميركية، يرجع إلى الهجمات التي تتم باستخدام عبوات ناسفة بدائية الصنع ضد القوافل العسكرية التي يحمل الكثير منها وقوداً أو ترافق شاحنات نقل الوقود. يتضح لنا هذا إذا ما عرفنا أن من بين إجمالي عدد الجنود الذين لقوا مصرعهم في العراق، بسبب نيران معادية، منذ بداية الغزو وحتى العشرين من مارس الماضي والذي يبلغ 3426 جندياً، هناك 1823 لقوا مصرعهم بسبب العبوات الناسفة بدائية الصنع. يعلق "آلان آر. شافر" مدير "دائرة الأبحاث والهندسة الدفاعية في البنتاجون" على ذلك بقوله: "في كل مرة نجلب فيها كمية من الوقود، يتعين علينا إرسال قافلة كي تحمي شاحنات نقل الوقود وهو ما يعرض حياة الجنود للخطر". وبسبب هذه الحقيقة الكئيبة، دشن البنتاجون مبادرات ترمي إلى إيجاد موارد وقود بديلة مع السعي في الوقت لتحقيق أهداف منها توفير النقود، والمحافظة على المصادر الطبيعية المتناقصة، وتقليص اعتماد الولايات المتحدة على الموارد الخارجية. وبالإضافة إلى استخدام الوقود في تشغيل الماكينات النفاثة، فإن ثاني أكبر مصدر لاستنزاف إمدادات الوقود، هو تشغيل المولدات الكهربائية في قواعد العمليات المتقدمة. وتقول مصادر في إدارة الإمداد والتموين بالبنتاجون إن حربي العراق وأفغانستان، تتطلبان استخدام كميات يومية من الوقود فاقت أي حرب أخرى في التاريخ. ومنذ نشوب تينك الحربين، عامي 2001 و2003 على التوالي، ارتفعت كميات الوقود المستخدمة في القواعد الأمامية من 50 مليون جالون إلى 500 مليون جالون سنوياً. وللمساعدة على تقليص استهلاك الوقود، ينفق البنتاجون 300 مليون دولار من أصل 4.7 مليار دولار التي استلمها ضمن حزمة التحفيز المالي، من أجل تسريع البرامج الحالية لتطوير أنواع الوقود البديل وتوفير الطاقة. ومن ضمن هذه البرامج ما يقوم به البنتاجون حالياً من تطوير لمصافي متنقلة تقوم بتحويل كميات القمامة الهائلة المتخلفة عن استخدامات الجنود إلى وقود. وهذه الوحدات التي تم نشرها في العراق الصيف الماضي، حققت نجاحاً ملحوظا في البداية قبل أن تتعرض لأعطاب معيقة، ما دفع البنتاجون إلى إنفاق 7.5 مليون دولار لإنتاج جدران أكثر متانة لتلك المصافي. من المقرر أيضاً أن يستثمر الكونجرس مبلغ 15 مليون دولار من ضمن أموال حزمة التحفيز لتطوير ألواح كهروضوئية خفيفة الوزن، ومرنة، يمكن طيها مثل البساط لاستخدامها في القواعد الأمامية من أجل توليد الطاقة الشمسية. وهناك 6 ملايين دولار أخرى مخصصة لتحسين البرنامج الذي تديره "مؤسسة مشروعات أبحاث الدفاع المتقدمة"، لتحويل الطحالب إلى وقود دفع نفاث يمكن أن يوفر بعض احتياجات الطاقة للطائرات التابعة للقوات الجوية والبحرية. وهناك مبادرات أخرى منها مبادرة لإنفاق 27 مليون دولار لتطوير ماكينة تعمل بطاقة الوقود الهجين قابلة للاستخدام في المركبات التكتيكية. وفي نفس الوقت يقوم البنتاجون بإجراء تجارب على استخدام المدخلات الشمسية والجيوحرارية لتوفير الطاقة للمنشآت. فالجيش مثلا دخل في شراكة مع شركة خاصة لبناء مزرعة شمسية ضخمة طاقتها 500 ميجاوات في "فورت إيروين" بولاية كاليفورنيا. وهذه المزرعة ستوفر بعد إتمام بنائها ما بين 30 و50 ميجاوات من الطاقة المطلوبة لتشغيل المنشآت، كذلك ستتيح فرصة بيع الكميات الفائضة لشبكة كهرباء كاليفورنيا. ورغم التركيز الكبير على موضوع التقنية في البنتاجون، فإن واحدة من أكثر المبادرات نجاحاً هي تلك التي تتضمن استخدام تقنية عمرها عقد من الزمن على الأقل، لتزويد آلاف الخيام في العراق وأفغانستان بطبقة رغوية عازلة سماكتها بوصتان، يتم رشها من براميل سعتها 55 جالونا، ثم تتصلب وتكتسب قواماً جامداً خلال 20 دقيقة فقط. وهذا المشروع الذي يكلف 95 مليون دولار بهدف عزل الخيام في العراق، أدى إلى تحقيق تخفيضات كبيرة في قيمة الوقود الذي كانت الحاجة تدعو إليه من أجل تسخين وتبريد تلك الخيام، مما يوفر مليوني دولار يوميًا من تكلفة الوقود. ويقول "أندرسون" إن هذا المشروع يقلص "بصمة القدم اللوجستية" للجيش والتي تشمل 900 شاحنة تتحرك خروجاً من العراق ودخولا إليه يومياً. ثم يضيف: "لقد نجحنا في توفير 12 شاحنة يومياً. ورغم أن هذا العدد قد لا يبدو كبيراً، فإنه قابل للتزايد بسرعة نسبية، وهو ما ستكون له فائدة كبيرة لإنقاذ مزيد من الأرواح، لاسيما وأن طرق العراق تعتبر من ضمن أخطر الطرق في العالم". ويشار إلى أن مشروعاً مماثلا لتزويد الخيام بطبقة عازلة سوف يجري تنفيذه في أفغانستان التي تمثل طرق الإمداد المكشوفة والمعرضة للمخاطر فيها، تحدياً خطيراً لمحاولة الولايات المتحدة زيادة أعداد قواتها اللازمة لمواجهة التمرد هناك. ستيف فوجل -------- كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"