من فضائل العِقدين المنصرميْن أن مسائل ومعضلات كثيرة كانت في حالة الخمود، أخذت تظهر وتطرح نفسها على صعيد الأولويات، أو على بساط البحث عموماً، بعد أن كانت خارج المساءلة والمناوشة، ويحدث ذلك إنطلاقاً من أن البشر لا يطرحون من المسائل والأسئلة إلا ما يلامس مصالحهم ومنظوماتهم الفكرية أو الأيديولوجية...إلخ، أو ما يرون منها ذا أهمية أو رمزية محفزة، بكيفية أو بأخرى، وقياساً على هذا، نلاحظ مسألة التعددية الثقافية. فالثقافة أو الثقافات، تعبر عن وجودها سراً أو علناً أو مواربة، وهذا يعني أن القضية المطروحة هي "الوعي" بهذه الثقافات من قِبل حامِلها من البشر. وإذا كانت الثقافة تعني هنا صيغة من الوعي، فإن الأمر، إذن، يدور على "وعي الوعي". بيد أن الوجود الاجتماعي للثقافات لا يُفصح عن نفسه بأنساق وأنماط متماثلة، ها هنا نجد أمامنا حالتين تحددان هذه الأخيرة، حالة الاختلاف فيما بينها وحالة الهيمنة التي تمارسها أنساق وأنماط حِيال أخرى. ويأتي ذلك من عوامل متعددة تتحدر من السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتراثي وغيره. ولمّا كان عامل الهيمنة المنطلقة من أحد تلك العوامل، ذا أهمية خاصة بالنسبة لعلاقة تلك الأنماط فيما بينها، فإن السؤال التالي تصبح الإجابة عنه ذات أهمية في ضبط البنية المجتمعية. ما الأساس التاريخي في منشأة الثقافات في حقل تاريخي أو آخر؟ والآن، إذا أخذنا تلك المعطيات في عين الاعتبار، فإننا سنلاحظ أن إقراراً بالتعددية الثقافية من قِبل مرجعيات سياسية حكومية أو حزبية... إلخ، لم يكن ذا توجه واحد، فلقد اعتقدت مجموعة من تلك المرجعيات أن الأقليات الإثنية الصغيرة كانت في طريقها إلى الانحسار الكلي أو شبه الكلي، على أيدي الثقافة أو الثقافات الكبرى الحاسمة والمهيمنة، وذلك لصالح دولة قوية تلتف حولها المجموعات الثقافية القائمة كلها، بما فيها تلك التي تجسد الأقليات المذكورة. وهذا ما عاشته الوضعية العربية القومية، مثلا في مرحلة الظهور القومي العربي إبّان التدخل الاستعماري الغربي المباشر. فمن شأن ذلك أنه أفضى إلى الاعتقاد بأن الإثنيات الصغيرة المعنية ستجد نفسها في سبيل أن تستمر، أمام ضرورة الاندغام الوظيفي وليس البنيوي مع التوجه الثقافي القومي العربي. ومن طرف آخر، وُجدت في بلدان أو مناطق الهيمنة العرقية النازية والفاشية حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية، اتجاهات لتفتيت تلك الإثنيات وإنهائها لصالح القومية الكبرى المهيمنة. في ضوء ذلك، اتجه باحثون للقول بوجود مجموعتين ثقافيتين رئيسيتين واحدة صغيرة تفقد تجذرها التاريخي شيئاً فشيئاً لتختفي في نهاية المطاف، وأخرى هي الحاسمة وبالتالي الوريثة للمكان الذي شغلته تلك الأولى، وكان أولئك الباحثون ممن انطلقوا من نزعة تاريخانية عرقية تؤكد على أن التاريخ هو البؤرة التي تنتهي إلى "خلاصته الفذة"، أي القابلة للديمومة ممثَّلة بالثقافة القومية المهيمنة والمتأصلة في عالمها. لكن ثورة أطاحت بتلك المنظومة الفكرية، التي تتحدث باسم التاريخ، حين تُقصي من التاريخ ثقافات معينة، بزعم أنها ليست أهلا للبقاء إلى جانب "الثقافة القومية المهيمنة". وقد قدمت نفسها هذه الثورة بصيغة "بيان حقوق الإنسان"، الذي صدر عام 1948 عن الأمم المتحدة. وبذلك سقطت المنظومة الأيديولوجية القائمة على نمط من التراتبية القومية أو الإثنية ذات النزوع العرقي، والتي ترى ضرورة التمييز بين شعوب أو أفراد متقدمين على شعوب وأفراد آخرين، من حيث الأساس المُعطى، من طرف، وشعوب وأفراد آخرين هم دون أولئك، أيضاً من حيث الأساس المعطى. وبدلا من ذلك، برزت منظومة أيديولوجية أخرى تتأسس على القول بأن المساواة بين كل البشر متأصلة فيما بينهم كلا وجزءاً، دون استثناء. لقد أتينا على تلك المسائل في سياق الردّ على نظم سياسية شمولية عربية، ترى أن مسألة المساواة ليست عامة ولا شاملة، على صعيد العلاقة بين شعوبها العربية وبين نظمها السياسية الاستئثارية، فإن شعباً بكاملة لا علاقة له بمصائر الأحداث، التي تطرأ على حياته السياسية، فهذه الحياة السياسية (وهي في حقيقتها ليست ذات خصوصية سياسية)، هي التي تدخل في اختصاص النظام القائم باسم حزب أو جبهة، بحيث يصبح مبدأ التداول السلمي للسلطة شأناً من شؤون الحزب المعني أو الجبهة المعنية.