يحتدم في هذه المرحلة سباق محموم بين البحث عن صيغة تعيد للاقتصاد عافيته، وبين ظهور اتجاه يميل نحو الحمائية والقومية الاقتصادية، فقد اتفق قادة دول مجموعة العشرين في قمتهم التي استضافتها لندن قبل بضعة أيام على تخصيص تريليون دولار تقريباً لتسهيل الائتمان، سيستفيد من معظمها صندوق النقد الدولي لمساعدة العالم على النهوض من الأزمة. لكن خلف هذه الواجهة التوافقية تسعى دول العالم كل على حدة، لحماية مصالحها الاقتصادية والبحث عن طرف آخر لإلقاء اللوم عليه، وتحميله مسؤولية ما يجري من مشكلات عالمية، فهل سيتغلب النظام الاقتصادي على مثل هذه التجاذبات ويتجاوز التوتر الناتج عن تراجع النمو العالمي، أم أن الأمر سيفسح المجال واسعاً أمام الحمائية وسياسات الدعم الحكومي للاقتصادات المحلية؟ جزء من هذا النقاش الدائر حول رجوع الحمائية وما يثيره ذلك من قلق في نفوس العديدين، الاقتراح الأخير الذي تقدم به محافظ البنك المركزي الصيني باستبدال الدولار، الذي يعتبر العملة العالمية الأولى والرئيسية، بسلة عملات. ففي ورقة أصدرها محافظ البنك المركزي الصيني، أكد أن الأزمة الحالية إنما تعكس في جوهرها "هشاشة ومخاطر" الاقتصادات التي تعتمد على الدولار، وبالطبع لم يكن الحديث مجرد وجهة نظر شخصية، لأنها صادرة عن أحد كبار مسؤولي الاقتصاد الصيني، ولا بد أنه يترجم آراء وتصورات القيادة العليا. وقد يفاجأ الأميركيون أن جزءاً كبيراً مما قاله محافظ البنك المركزي الصيني صحيح، وأن التحليل الذي طرحه معقول إلى حد كبير بعدما ظهرت لدى الاقتصادات التي تتعامل بالدولار العديد من عوامل عدم الاستقرار والهشاشة مثل الاختلالات الكبيرة في الميزان التجاري، والتدفق الضخم والهائل لرؤوس الأموال في اتجاهات بعينها، لكن مع ذلك يجب ألا يغيب عن أنظارنا أن الصين نفسها متورطة في هشاشة الدولار والتداعيات الناتجة عن ذلك، فمن خلال الحفاظ على قيمة عملتها منخفضة كآلية لدعم صادراتها ساهمت الصين في ترسيخ تلك الاختلالات التي تنتقدها اليوم. فالصين لا تكف عن انتقاد الإسراف الأميركي في الإنفاق والاستهلاك، رغم أنها شجعتها طيلة الفترة السابقة واستفادت منها لتسويق سلعها ومنتجاتها في السوق الأميركية، وليس أدل على ذلك من تضخم العجز التجاري الأميركي مع الصين في الفترة ما بين 2000 إلى 2008 ليصعد من 84 مليار دولار إلى 266 مليارا، بحيث راكمت الصين احتياطات هائلة من العملة الصعبة وصلت إلى تريليوني دولار. والأمر لا يقتصر فقط على سعر الصرف الذي تتلاعب به الصين وتوجهه وفقاً لمصلحتها الاقتصادية، بل يمتد حسب الخبراء إلى التدفق الهائل للفوائض المالية الصينية على الولايات المتحدة، ما أدى إلى انخفاض أسعار الفائدة على سندات الخزينة الأميركية، وتوجه المستثمرين إلى البحث عن أرباح في أماكن أخرى وبوسائل غير مسبوقة. هذا التوجه نحو تحقيق الأرباح، والذي ما عاد متاحاً من خلال الأوراق المالية التي تصدرها الخزينة الأميركية، هو الذي خلق طلباً متزايداً على المجازفة بالاستثمار في الرهون عالية الخطورة، فغذى بذلك فقاعة العقار التي كانت وراء الأزمة الحالية، وهكذا تكون الصين أحد المساهمين الرئيسيين في اندلاع الأزمة، حتى لو ارتدت اليوم ثوب الضحية، وسعت إلى تحميل الآخرين المسؤولية. وبالرجوع إلى الدولار، نجد أنه على مدار عقود طويلة أصبحت العملة الرئيسية في الاقتصاد العالمي تُسعر به البضائع الأساسية مثل النفط والقمح والنحاس وغيرها، فضلا عن اعتماد التجارة العالمية على الدولار لإجراء تعاملاتها، ولا ننسى أن العديد من الدول مثل تايلاند وكوريا الجنوبية تعتمد على الدولار الأميركي في 80 في المئة من صادراتها، ناهيك عن أن العملة الأميركية أصبحت الأولى للاستثمارات الخارجية سواء كانت حكومية، أو من قبل القطاع الخاص، بل إن الحكومات تحافظ على ثلثي احتياطياتها من العملة الصعبة، أي ما يقدر بحوالي 6.7 تريليون دولار، بالعملة الأميركية. لكن الإفراط في استخدام الدولار، يمكن أن يأتي بنتائج عكسية كما تدل على ذلك الأزمة الحالية، وليس فقط لأن صادرات الدول تراجعت بسبب ركود السوق الأميركية، بل أيضاً لأنهم فقدوا القدرة على الاستدانة بالدولار لتمويل تجارتهم مع أطراف أخرى. وفي هذا السياق، يأتي تساؤل محافظ البنك المركزي الصيني عن إمكانية استبدال الدولار بسلة عملات لتجاوز هذه المشكلات، ووضع حد للضعف المزمن للدولار. بيد أن المشكلة كما يقر بذلك المسؤول الصيني نفسه أنه لحد الآن لا وجود لبديل قادر على تعويض الدولار، فقدرة أي عملة على إغراء المتعاملين الدوليين تعتمد أساساً على مدى استقرارها وقابليتها لشراء البضائع في السوق الدولية، أو تحويلها إلى استثمارات عالمية دون قيود، وهو الأمر الذي مازال بعيداً عن متناول اليورو (الذي يشكل 27 في المئة من احتياطات الدول)، أو الين (3 في المئة)، أما فيما يتعلق بالعملة الصينية فهي لم تصبح بعد قابلة للتحول إلى استثمارات. لذا يبدو أن الدولار سيستمر معنا لفترة قادمة، وكل ما تحتاجه الدول لتفادي سلبياته، لا سيما تلك التي تملك احتياطات مالية كبيرة منه، هو التقليص من اعتمادها على التصدير كآلية للنمو الاقتصادي والتوجه إلى الاستهلاك المحلي، وهو ما بدأت تدركه الصين بعدما أعلنت في شهر نوفمبر الماضي عن تخصيص 586 مليار دولار لتحفيز الاقتصاد، فضلا عن شروعها في تحسين الرعاية الصحية والمعاشات لتقليل حاجة الأسر الصينية إلى الادخار. ومع ذلك مازالت الصين منخرطة في سياساتها التصديرية مثل خفض الرسوم على الصادرات، وقيامها بعملية تبادل العملة مع شركائها التجاريين لتشجيع الطلب على السلع الصينية، فضلا عن وقفها للارتفاع الذي كانت تشهده عملتها، لتبدو الصين في النهاية وكأنها تدفع بمصلحتها الاقتصادية على حساب الآخرين، ولتتحول تصريحات محافظ البنك المركزي في بكين إلى مجرد مناورة سياسية الهدف منها التغطية على تصرفاتها الاقتصادية، وكأن لسان حالها يقول: إذا كنا نحن ضحايا أبرياء لسوء إدارة الاقتصاد الأميركي، فإنه يحق لنا القيام بكل ما يلزم لعزل أنفسنا بعيداً عن التداعيات الأليمة للأزمة الحالية. روبرت صمويلسون كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"