في أوائل هذا الشهر... الرابع من هذه السنة، سخت السماء بأمر ربها بماء مدرار سقى الله به أكثر أنحاء الجزيرة العربية وغرب الخليج. وفي أحد تلك الأيام الجميلة كنت وصحباً مختاراً نجلس في خيمة صحراوية عانت المناطق المحيطة بها، كما أكثر أنحاء أوطاننا، طوال أسابيع من سحب الغبار الكثيف التي أمطرت الناس والشجر والحجر بكل ما يجلب السقم والسأم. أثناء عُرس المطر تلك الليلة كان صوت دموع الفرح السماوي يُسمع بوضوح على سطح خيمتنا وأروقتها، الأمر الذي بعث السرور والانتشاء والأمل في الجميع. ... استمر المطر الغزير طوال الليل، وفي الصباح الباكر توقف لساعات قليلة، مما أتاح لنا الخروج من مخبئنا، لنرى الأرض غير الأرض، والأديم المليء بالغبار قبل أيام، وقد اكتسى حلة جديدة. لقد عادت زهرة الخُزامى لنشاط رائحتها النادرة من جديد، بعد أن ظن الجميع أن مواسم زهر وشجر الصحراء وعشبها قد طمسته "تسونامي" الأغبرة وعواصف الغبار المحمل بكل ميكروبات الأرض ومن عليها. كيف أعادت الصحراء في يوم وليلة نفسها البكر؟ كيف عادت للحياة مرة أخرى؟ ومن أين تأتي تلك الرائحة الفريدة... المزيج من التراب والطين والماء الطهور ونبات الرمل والصخر، رائحة لا تجدها إلاَّ في هذه الصحراء العربية؟! من أين جاءت تلك الطيور البرية، وقد ظُنَّ أنها ولَّت هاربة بعد أن طردها قبل أيام قليلة قحط الأرض، وأخافها اللون البرتقالي الكئيب للسماء؟! هو الماء وغدق المطر، هو واهب الحياة -بقدرة الله- الذي جعل من كوكبنا درة الكون ومركزه الحي والخلاق، رغم قزمية أُمنا الأرض قياساً بعالم السنوات الضوئية المحيط. دار في خلدي ساعة الفرح تلك خاطر يقول: ألاَ تشبه شعوبنا وأممنا حالة العناق والفراق بين أرضنا وأمطارنا؛ بين المراوحة غير العادلة بين السنوات العجاف الشداد الطويلة جداً، وسنوات قليلة يُغاث فيها الناس ويعصرون اجتماعياً وأمنياً وسياسياً. قطرات ماء الثقة والدعم والعدل والرحمة -وما أقلها!- إن حظيت بها قلوب الناس القاطنين في هذه الأرض الممتدة بين المحيط والخليج، أينعت سنابل تحضر ونماء عقليا وفحولة في الإبداع والعطاء والمنعة؛ تحتاج الأرض العربية من الطبيعة الماء حتى تُعطي وتخضر وتزهر، وتحتاج شعوبها إلى مثل هذا المطر قيادياً، بعد أن أمعن الدهر السياسي والجفاف التنويري، والركود الذهني إلى ما نراه اليوم: شعوب مريضة تتبادل اسم زعمائها محاكم جنائية أو مجالس أمن في يده سوط البند السابع؛ شعوب زاد فقرها على رغم ثرواتها البشرية والطبيعية، وقاربت من هلاك العطش والأنهار الطويلة العريضة تنساب من وعلى أديمها. تحتاج أرضنا الاجتماعية نهضة تنموية تُستغل فيها كل مَلكات وإمكانيات الأمة، وتعرف من خلالها الحقوق والواجبات، بدلا من جفاف الآمال التي تدفع شبابنا إلى المغامرة بأرواحهم في شرق العالم وغربه طلباً لعملات خضراء وبرتقالية، تعيد شيئاً من الآمال التي خبت عمداً وجهلا في أرض الآباء والأجداد. ومثلما هي الأرض المحتاجة لماء الغيث غير الطوفاني الذي يقتلع البذور وفطريات الأرض ولا يبقي ولا يذر، كذلك هو الحال بمجتمعاتنا العربية، فلا خير من فيضان تغريبي قادم من بلاد بعيدة يأتي بحجة تحضير أممنا وشعوبنا، بينما هو يقتلع الهويات ويسلخ الانتماءات، ويبقي ثقافتنا -بعد ذلك- عارية متصحرة، بعد أن يقذف ما أمامه من فكر وعقيدة محليين. المطر الشحيح من جهة أخرى، والذي لا ينفع الأرض ولا يُحييها بعد موتها ولا ينتفع منه الزرع والضرع والإنسان، هو نفس ما يحدث عندما تعقم سحب سماوات المجتمعات من مطر العقول المستنيرة والأدمغة المبدعة الخلاقة والأرواح الشفيفة المتسامحة، عندها يعم بؤس الثقافة وتموت حركة التمدن وتذبل رغبات الازدهار والارتقاء، وتكثر الضغائن وتتوجس النفوس من النفوس، وتبقى الأمم المحتاجة جداً لسقيا النمو والانعتاق من التخلف، أسيرةً لفكر مُنغلق ورغباتٍ في الحجر على الزمان والمكان... وعلى الإنسان الذي يعيش فيهما وبينهما. العطش المائي خطرٌ على الشعوب والحياة الإنسانية، وكذلك هو عطش الأمم عندما تفقِدُ من يأخذ بيدها برفق وألمعية وتصميم نحو المراتب المتقدمة للأمم والحضارات. ... لا زال المطر يهطل وأنا أكتب هذا المقال، وتكاد أرض الصحراء العربية ترتوي وتفيض، ولازلنا نأمل أن يكون هذا هو حالنا مع المقارنة الأخرى على رغم ما يحدث ويسمع ويشاهد إنسانياً... وهو كثيرٌ ومؤلم ومفزع.