في بداية الأسبوع الماضي تعرضنا في هذا المكان لأمراض واضطرابات الشهية، مثل مرض فقدان الشهية العصبية (Anorexia Nervosa)، الذي يصبو فيه المصاب إلى إنقاص وزنه بشكل حاد بسبب خوفه غير الواقعي من زيادة الوزن والسمنة، ليس نتيجة ما ينتج عنهما من أمراض وعلل، وإنما لما سيترتب عليهما من فقدانه للجاذبية الجسدية. وتعرضنا أيضاً لمرض النهام العصبي (Bulimia Nervosa)، الذي يتميز المريض فيه بالإسراف والانغماس في أكل كميات كبيرة من الطعام، وبإفراط واضح، يعقبه شعور شديد بالندم، وتأنيب الذات، ومحاولة إصلاح الضرر البدني الناتج من خلال سلوكيات متطرفة، مثل تطبيق نظام حمية شديد، وغير صحي، أو الإفراط في ممارسة الرياضة بشكل دائم ولفترة طويلة. ولضيق المساحة المتاحة، اضطررنا لإغفال الأسباب التي تدفع بالكثيرين نحو هاوية اضطرابات الشهية، وهو ما سنحاول أن نغطيه اليوم. وأول الأسباب خلف اضطرابات الشهية هو العوامل البيئية المحيطية، أو العوامل التأثيرية، كوسائل الإعلام مثلا. فنتيجة الدور المهم الذي أصبحت تلعبه وسائل الإعلام، وخصوصاً المرئية منها، في الثقافة العصرية، أصبح في إمكان هذه الوسائل تشكيل القيم بجميع أنواعها، وتصنيف ما هو مقبول أو غير مقبول، بالإضافة إلى تحديد المعايير القياسية التي يدور خلالها مجتمع العصر الحديث. ليس فقط على صعيد مقاييس الجمال والجاذبية، والشكل والوزن الجسدي المقبول، بل أيضاً في جميع نواحي الحياة الأخرى. وهذا التأثير الهائل لوسائل الإعلام، أصبح مثاراً للقلق لدى الكثير من الأطباء والباحثين، في ظل الزيادة الهائلة التي أصبح إنسان العصر الحديث يتعرض فيها لوسائل الإعلام، وترافقها بزيادة مماثلة في معدلات انتشار اضطرابات الشهية، وخصوصاً خلال العقد الماضي بالتحديد. وفي ظل قوة العلاقة بين تأثير وسائل الإعلام وبين ازدياد اضطرابات الشهية يسعى الأطباء والباحثون إلى إيجاد طرق وسبل تخفف من تأثيرها السلبي وخصوصاً على النساء، من خلال الإصرار على إظهار النحيفات منهن على أنهن أكثر جاذبية، وأكثر سعادة في حياتهن الشخصية والعائلية والمهنية. وبخلاف وسائل الإعلام، يمكننا توجيه أصابع الاتهام إلى صناعة (التخسيس) كعامل بيئي آخر مهم خلف ازدياد انتشار اضطرابات الشهية. فصناعة التخسيس تحقق مبيعات بمليارات الدولارات من النساء، والرجال أيضاً، ممن يسعون لإنقاص وزنهم، لمطابقة جاذبية وجمال العارضات والعارضين الذين تستخدمهم هذه الصناعة في إعلاناتها. والمنطق التسويقي لحملات الدعاية لصناعة التخسيس، يعتمد على أنه كلما شعر المزيد من الأشخاص بعدم كفايتهم جسدياً، وبفقدانهم للجاذبية بسبب أجسامهم، كلما هرع أعداد أكبر منهم لشراء هذا المنتج أو ذاك. ولا يمكننا أن نتجاهل أيضاً هنا، هوليوود وصناعة الأفلام برمتها، وبالتحديد اعتمادها دائماً وأبداً على حسناوات رشيقات، قل ما يلتقي المرء بمثلهن، أو حتى بشبيهاتهن، في الحياة اليومية. ومثل هذه المعايير الجمالية، غير الواقعية في أي تقدير، تضع قدراً هائلا من الضغط النفسي على بعض النساء، لتنزلق من لديهن الاستعداد منهن إلى هاوية اضطرابات الشهية. والسبب الآخر خلف الإصابة باضطرابات الشهية، أو بالأحرى المجموعة الأخرى من الأسباب، يمكن وصفها بأنها أسباب بيولوجية فسيولوجية. ويمكن تقسيم هذه المجموعة إلى قسمين: قسم الأسباب الوراثية، وقسم الأسباب الكيميائية والهرمونية. وفي حالة القسم الأخير يلقي العلماء باللوم على بعض الموصلات العصبية الكيميائية، مثل السيروتونين، أو الدوبامين، أو غيرهما من المواد الكيميائية التي تفرز من الأمعاء أو الجهاز العصبي المركزي أثناء عملية الهضم. أما بالنسبة للهرمونات، فقد اكتشف العلماء ارتباط بعض حالات اضطرابات الشهية باضطرابات في مستويات بعض الهرمونات، مثل هرمون (Cholecystokinin) المسؤول عن الشعور بالشبع والتوقف عن الأكل، أو هرمون (Cortisol) المسؤول عن رفع مستوى السكر بالدم، وزيادة النشاط الأيضي أو الميتابوليزم. والمجموعة الأخيرة من الأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بأمراض الشهية يمكن وصفها بأنها أسباب نفسية، وخصوصاً في مرحلة النمو النفسي والشخصي لدى المراهقين. حيث يعتقد البعض أن اضطرابات الشهية تنتج عن التنشئة تحت رعاية أبوين مفرطي التحكم في أبنائهما، كثيري الانتقاد، وقليلي العواطف والحنان. فأطفال مثل هذين الأبوين، كثيراً ما ينشأون بخصائص نفسية تتميز بتعنيف الذات بشكل دائم، وصعوبة في تطوير المهارات الشخصية الضرورية لتوفير أفضل رعاية صحية لأنفسهم. ومثل هذه الاختلالات في العلاقة بين الطفل أو المراهق وبين أبويه، لا تتمثل فقط في الإصابة باضطرابات الشهية، وإنما أيضاً في معدلات أعلى من تعاطي المخدرات. وأحياناً ما تؤدي الصدمات النفسية والتجارب الشخصية المريرة إلى نتائج مماثلة. وأمام هذه الأشكال والمجموعات المتنوعة، يمكن تلخيص أسباب الإصابة باضطرابات الشهية إلى: 1- عوامل وراثية. 2- ظروف بيئية محيطية خاصة، مثل التجارب الشخصية وطبيعة التنشئة الأسرية. 3- ظروف بيئية محيطية عامة، مثل وسائل الإعلام والثقافة المجتمعية. وهو ما يعني أن البعض يولدون باختلالات وراثية تؤهلهم للإصابة باضطرابات الشهية، وإن كان هذا لا يعني إصابتهم بها حتماً. ولكن إذا ما تعرض هؤلاء الأشخاص إلى ضغوط بيئية، سواء كانت شخصية محدودة أو ثقافية عامة، فسرعان ما يسقط الكثير منهم ضحايا لاضطرابات الشهية المرَضية. د. أكمل عبدالحكيم