تعد "عزازيل" رواية الكاتب المصري يوسف زيدان الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية (أو البوكر العربية) في الشهر الماضي إضافة باهرة للإنتاج الروائي العربي الحديث، فصنعتها اللغوية الجميلة، وحيلها الفكرية والتاريخية، ومناخها السياقي في حقبة مهملة من الزمن العربي/المسيحي في القرن الخامس الميلادي، وإسقاطاتها الحديثة والمؤلمة على واقع اليوم المريع، وجرأتها في الانخراط في سجال العقل والدين في أبعد أمْديته، كل ذلك أهلها بجدارة للفوز بالجائزة من دون شك. وأحد جوانب النص الإبداعي الحقيقي هو انفتاحه على قراءات متعددة، واندياح مضامينه ومعانيه لنقد مركب المستويات والأوجه. إن "عزازيل"، وهو الوصف الديني المسيحي للشيطان، تمثل ذلك كله. فيها الخيط الروائي المتراكم، والشخوص القلقة، وفيها الخيط السجالي بين الأفكار، والجماعات، المتحاربة في فضاء المسيحية والدين بين تفسيرات حرفية ظاهرية، وتفسيرات تسامحية وجودية، وفيها أيضاً سؤال العقل السرمدي الذي لازم بروز كل الأديان، وتموضعه إزاء مانوية الخير والشر، وتزعم الدين للفصل بينهما، وإلصاق الشر بـ"عزازيل" الذي بدوره يدافع عن وجوده بكونه وفّر المشجب الإنساني والتاريخي الذي يُلقي عليه البشر صنوف خطاياهم ويطهرون أنفسهم بوجوده. وفيها أيضاً علاقة السلطة بالمؤسسة الدينية، الأباطرة وحكام المدن القوية وتسيّسهم إزاء قوة المسيحية الصاعدة وأساقفتها المتنازعين: تارة يتحالف الأباطرة والأساقفة، وتارة يتحاربون، لكن في أغلب الحالات يستقوي الأساقفة أو الأباطرة بالطرف الآخر للانتصار في صراع داخلي تنافسي سياسي أو ديني. وهكذا فلا الأباطرة موحدين، ولا الأساقفة على قلب كاهن واحد. يُدهشنا يوسف زيدان إذ يأخذنا في تلك الرحلة الغرائبية التي بدأت بافتعال اكتشاف نص تاريخي مكتوب بالسريانية القديمة، في خرائب مسيحية تقع بين حلب وأنطاكيه: مذكرات كتبها الراهب المسيحي "هيبا" ونقل فيها بتصوير بارع ومريع صراعات الديانة وتنافسات الأساقفة وتأملاته هو وتأزماته الداخلية مع شيطانه "عزازيل"، وهي التأملات والتأزمات التي تعكس وتُضيء ما كان مستعراً في الفكر والعقل والدين والحب والسياسة في تلك الحقبة المضطرمة قيد الرصد الروائي. ورحلة "هيبا" في المسيحية هي رحلته في جغرافيتها في ذلك الوقت: من نجع حمادي قريباً من أسوان في مصر، هروباً من بطش المسيحية التي فتكت بأبيه ودفعته هو نفسه لاعتناق الديانة الجديدة متجهاً إلى الشمال، إلى الإسكندرية، حيث العلم والنور وحلمه الكبير في دراسة الطب واستتباع ما أنتج عمالقة أطباء اليونان. وما حدث في نجع حمادي حيث صُفي والده على أيدي المتعصبين الجدد وعلى مرأى الولد اليافع، أدمى جرحاً في "هيبا" سجله بمرارة كأولى هزائمه الداخلية الكبرى، والتي ستظل معه إلى آخر أيامه: عجزه عن الانتصار لما يجول في داخله، ولوالده هنا. ومع أولى خطى وصوله إلى حواف الإسكندرية تقع في حبه الفتاة "أوكتافيا" التي قابلته بعدما كاد يغرق في بحر الإسكندرية، وكانت تنتظر فارسها قادماً من البحر فافترضته "هيبا". "أوكتافيا" وثنية تعاند اكتساح الديانة الجديدة للإسكندرية وتدميرها للعلم والعقلانية وما أنتجاه في المدينة العظيمة بما جعلها منارة للشرق والغرب. تكرههم "لأنهم كالجراد، يأكلون كل ما هو يانع في المدينة، ويملأون الحياة كآبة وقسوة". أما "هيبا" فيخفي ديانته أمام اندفاعة العشق المباغت الذي فجأته به "أوكتافيا"، غير راغب بأن يحطم حلمها الجميل بالفارس المنُتظر. لكنها هي تكتشف ديانته وتطرده من بيتها حيث آوته: تقدم انتصارها للعقل والنور على الحب المُتورط في فارس شاب أرادته حبيبها القادم من وراء البحر. ويُسجل "هيبا" هنا ثانية هزائمه الداخلية الكبرى: قدّم النور الرهباني المُفترض على نور "أوكتافيا" المحتضن والمحسوس. لقد أحب الفتاة دفعة واحدة، وأسر له "عزازيل" بأن يقيم معها وينسى ديانته وترهبنه: أين يمكن أن يجد على وجه الأرض امرأة بجمالها وحبها المجنون بأن تكون زوجته لآخر الزمان؟ لم يكد يتعافى من هزيمته الثانية حتى جاءت الهزيمة الأكبر في حياته: المقتلة الرهيبة لهيباتيا، أستاذة الفلسفة والرياضيات والعلوم في الإسكندرية. هيباتيا هي أقنوم العلم والنور والجمال، وهي وريثة سلالة التنوير في عائلة رفيعة المقام علماً وأدباً، وابنة ثيون فيلسوف المدينة. هي منارة الإسكندرية التي يطوف ما تبقى من بقع النور حولها، في حقبة ينتشر فيها ظلام التعصب ملاحقاً الضياء. في الإسكندرية، يرسم يوسف زيدان ببراعة صورتين: هيباتيا العالمة والمتواضعة والرائعة الأسلوب والبديعة اللغة ومحاضراتها العلمية التي تحتشد لها النخبة، مقابل صورة البابا كيرلّس، مّدعي العلم، والمتعجرف، والفج الأسلوب، والمُحرض الدائم ضد هيباتيا وكل من "يهرطق" بالعلم مثلها. أما راهبنا "هيبا" فهو ممزق بين ضميره الديني الملتحق بكيرلّس وأتباعه، وعقله وضميره (عزازيل) الذي يشرئب إلى هيباتيا. وفي يوم المقتلة الكبرى يخطب أكيرلس بغضب وتحريض ضد "أعداء الدين" ويطلق لجام ألوف الغوغاء أتباعه باتجاه "أعداء الديانة" للقضاء عليهم، وخاصة هيباتيا. يربطونها ويجرونها بالخيول على حواف طرق الإسكندرية الحجرية، فيتحطم رأسها، ويتمزق جسدها، ويتناثر عقلها الكبير تحت أرجل المحرضين الغاضبين. وكان "هيبا" يراقب المشهد الفظيع مشلولا بعجزه. كان عزازيل ينصحه بأن يتدخل، فلربما يكون له كراهب قول على هؤلاء المجانين فيوقفون فعلتهم الشنيعة. وفي لحظة ما وهم يجرون هيباتيا من شعرها ودمها يكتب القصة الحزينة على شوارع الإسكندرية التقت عيناها الهلعتان بعيني "هيبا". كانت قد تعرفت عليه وهو يتسلل إلى محاضراتها للاستماع لها. استنجدت به ومدت ذراعها باتجاهه. فأنخلع قلب "هيبا" وهو يراها تتمزق. وقبل نهايتها الأخيرة ركضت شابة باتجاهها وألقت بنفسها عليها لتنقذها من الوحوش، فهوجمت هي الأخرى وبضربة حديدية على رأسها كانت قد ماتت. وانخلع قلب "هيبا" مرة ثانية عندما رأى أن الشابة الشجاعة هي أوكتافيا. هرب "هيبا" من الإسكندرية وغادر بطش الدين فيها بمخالفيه، وسيطرة البابا كيرلس رمز الحقد والتعصب الديني. اتجه إلى القدس، حيث رتابة التدين، واختلاط الحجيج، وهناك تعرف على "الأسقف المبجل نسطور"، صورة العقلانية الدينية والتسامح، القادم من أنطاكية والديار السورية. وقد دعا نسطور "هيبا" إلى أنطاكية التي توجه إلى ضواحيها. وهناك في الدير البعيد عن أنطاكية المدينة عاش "هيبا" بسكينة وهدوء، إلى أن اقتحمت حياته "مرتا"، الحب الثاني العاصف في حياته. ومرة أخرى تُضاف إلى هزائمه هزيمة كبرى ثالثة: أيتزوج مرتا التي عشقته وعشقها، أم يقضي حياته في الرهبنة، رافضاً نصائح عزازيل، وغارقاً في متابعة أخبار صراعات القساوسة والأساقفة. تبدأ من مماحكات لاهوتية حول أصل مريم العذراء وفيما إن كانت إنسانة، أم نبية، أم إلهة. لتنتهي إلى حروب طاحنة لا تُبقي ولا تذر. حروب كانت نهايتها عزل الأسقف نسطور، وهزيمة التسامح والعقلانية والانفتاح وانتصار نقائضها. إن "عزازيل" رواية تنويرية جريئة وعميقة، تعكس صراع العقل والنور ضد الاستبداد الديني والانغلاق والتحجر. إنها سردية مريرة عابرة لحقبتها الزمنية، وعابرة لفضائها الثقافي، ومنطبقة أشد الانطباق على راهننا البائس، حيث "هيباتيا" تُسحل كل يوم في كل شوارعنا وأزقتنا، وكيرلس يزعق منتشياً!