تشير التقديرات المطلعة إلى وجود ما لا يقل عن 23 ألف سلاح نووي تتقاسمها كل من الولايات المتحدة وروسيا، بالإضافة إلى ألف أخرى موزعة بين الصين وإسرائيل وفرنسا وبريطانيا والهند وباكستان وربما دول أخرى لا يعلم بها أحد. وقد يكون هذا الواقع المخيف الذي يبدو فيه العالم مدججاً بالسلاح النووي هو ما حدا بالرئيس أوباما خلال لقائه مع القادة الأوروبيين في مدينة براغ، الأسبوع الماضي، إلى طرح فكرة عالم خالٍ من الأسلحة النووية، واحتمال المساهمة الأميركية في تحقيق هذا الهدف لو وافقت واشنطن على تقليص ترسانتها النووية إلى الصفر وتغيير سياساتها التي تبنتها على مدى الستين عاماً الماضية والقائمة على امتلاك أكبر ترسانة نووية في العالم تفوق في تقدمها التكنولوجي وقدرتها التدميرية ما يتوفر لدى باقي الدول النووية مجتمعة. وبالطبع هناك عوامل أخرى دفعت الرئيس الأميركي إلى اقتراح نزع السلاح النووي، والاتفاق في إطار معاهدة دولية على التقليص من الترسانة النووية لبلاده، ليس أقلها مخاوف الرأي العام الأميركي من استخدام تلك الأسلحة، لاسيما بعد التجربة المريرة التي مازال البعض يتذكرها عندما هددت أميركا باللجوء إلى السلاح النووي خلال أزمة الصواريخ الكوبية. وعلى مدى السنوات الماضية ظلت الولايات المتحدة متشبثة بمبدأ ثابت مفاده أن القدرة على حماية أميركا والذود عن أراضيها تقوم بالأساس على قوة عسكرية متفوقة تردع الآخرين وتستند إلى ترسانة نووية كبيرة، وذلك على رغم التقييمات الصادرة عن بعض القادة والمعلقين من أن الخطر الحقيقي لم يعد مرتبطاً في عالم اليوم بالدول والمواجهات التقليدية التي تستدعي ترسانة نووية ضخمة بقدر ما هو مرتبط بالجماعات غير التابعة للدولة وقوى الإرهاب التي تهدد بالسيطرة على المواد النووية واستخدامها لاستهداف مدن غربية. لكن أوباما الذي يعي خطورة الأسلحة النووية وبقائها دون نظام عالمي للمراقبة وضبط استخدامها، عليه قبل الانتقال إلى المطالبة بعالم خالٍ من الأسلحة إقناع مجلس الشيوخ بالمصادقة على تطبيق المعاهدات التي وقعت عليها الولايات المتحدة مثل المعاهدة الشاملة لحظر التجارب النووية التي صادقت عليها أيضاً أكثر من 148 دولة، ومعاهدة موسكو لعام 2002 التي تنص على خفض الترسانة النووية لروسيا وأميركا، فضلا عن المعاهدة التي يسعى أوباما إلى توقيعها وتقضي بتقليص الأسلحة الاستراتيجية لكل من موسكو وواشنطن إلى ما دون الألف. والحقيقة أن هذه المعاهدات التي مازالت حبراً على ورق، ولم تترجم بعد إلى واقع ملموس، هي المعيار الذي تعتمده الدول والمنظمات غير الحكومية في قياسها لمدى التقدم المتحقق في مجال الانتشار النووي وضبط الأسلحة الاستراتيجية في العالم. ولكن الجهود الدولية لمراقبة الأسلحة النووية التي انضم إليها مؤخراً أوباما تواجهها العديد من العقبات التي تهدد بتعطيل مسيرتها، وأولها الاعتقاد السائد بأن الأسلحة النووية هي ذاتها من ساهم في الحفاظ على الاستقرار والأمن العالميين. فقد بات معروفاً الدور الذي لعبته تلك الأسلحة في ردع الدول المالكة لها عن الدخول في حروب وصراعات مسلحة والامتناع عن استخدام السلاح النووي مخافة الرد بنفس السلاح الذي سيفضي إلى الدمار الشامل. وفي أسوأ الحالات هناك احتمال واحد قد يؤدي بدولة نووية إلى استخدام سلاحها الاستراتيجي دون أن تهتم لرد نووي قاس من الدولة المستهدفة وهو إذا ما اعتبرت الدولة المهاجمة نفسها أكثر تفوقاً في المجال النووي بحيث يمكنها توجيه الضربة الأولى ومع ذلك ردع الدولة المستهدفة بعدم الرد النووي لأنها لا تملك سوى القليل منه. ومع ذلك لا يمكن الركون إلى احتمال متطرف كهذا لأن ما لا تستطيع القيام به دولة ما في حال التعرض لهجوم نووي بسبب عدم تفوقها في هذا المجال قد تتولاه دولة حليفة لها تكون قدراتها النووية أكبر، ما سيضع الدولة المهاجمة في مأزق حقيقي قد يفضي في النهاية إلى دمار متبادل لا يبقي ولا يذر. ويحذر بعض المراقبين من هجوم انتحاري تقدم عليه دولة مارقة إذا اكتسبت السلاح النووي كأن تضرب أهدافاً غربية على رغم معرفتها المسبقة بأن ذلك سيمحوها نهائياً من الخريطة، وهو احتمال مستحيل لأن أية دولة مارقة على غرار باقي الدول لا يمكنها المجازفة بوجودها كله لتحقيق مصالح سياسية ستمحى هي الأخرى فور تعرضها لضربة نووية ماحقة. ولن يفلح أوباما في تحقيق هدفه المتمثل في إبعاد شبح الأسلحة النووية عن العالم وتقليص ترسانة الدول منها إذا استمر في نفس سياسات الإدارات الأميركية السابقة التي أقرها هنري كيسنجر، ووزير الخارجية الأسبق جورج شولتز، بالإضافة إلى وزير الدفاع الأسبق ويليام بيري، بل إن عليه أن يدرك أنه لن يُكتب لجهود منع الانتشار النووي النجاح ما لم تعط الولايات المتحدة النموذج وتباشر عملية خفض ترسانتها النووية. أما الاستمرار في مراكمة الأسلحة وفي نفس الوقت إلقاء الخطب والمواعظ على الآخرين فهو يفقد أميركا مصداقيتها ويفرغ حديث أوباما عن عالم بدون أسلحة نووية من أي مضمون حقيقي. لكن إذا بادرت أميركا إلى قيادة المفاوضات الدولية لمنع التسلح النووي ولمست الأطراف الدوية جدية واشنطن وعزمها الواضح على التخلص من بعض ترسانتها النووية على الأقل فلاشك أن ذلك سيدفع باقي الدول إلى الانخراط في المجهود الأميركي والتوصل إلى اتفاقية نهائية تزيل أسباب الدمار في عالم مضطرب وخطير كعالمنا. __________________________________________ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "ميديا تريبيون سيرفيس"