يتعين على أوباما إعادة تأكيده أمام العالم أنه لا نية لواشنطن في تشكيل، أو حتى التحرك نحو إقامة علاقة حصرية مع الصين يمكن أن يطلق عليها "مجموعة الإثنين". من المهم أن تعزز واشنطن تلك العلاقات البناءة والصريحة التي بدأت بين الرئيس "هو جينتاو" و بوش، بل من الضروري الإشادة في هذا السياق بالاستعداد الذي أبداه أوباما للبناء على تلك العلاقة وتوسيع آفاق التعاون الأميركية- الصينية. لكننا سندفع الثمن غالياً لحلفائنا الموثوقين وأصدقائنا المخلصين في آسيا إذا نحن أصررنا على الإشارة إلى علاقات التعاون الاقتصادي المتنامية بين البلدين على أنها عملية جديدة لتشكيل "مجموعة الإثنين" تقتصر على واشنطن وبكين. فقد كتب رئيس البنك الدولي، روبرت زوليك، وكبير اقتصاديي البنك، "جوستين لين" مقالا قالا فيه إنه من دون علاقات أميركية- صينية قوية ومن دون "مجموعة الإثنين"، لا يمكن لدول مجموعة العشرين تحقيق الأهداف المرجوة، وقد اعتبرا أنه فقط من خلال مستوى غير مسبوق من التعاون الاقتصادي بين البلدين يمكن للاقتصاد العالمي استعادة عافيته والخروج من أزمته. ولئن كان كلامهما صحيحاً فيما يتعلق بضرورة تمتين الشراكة الصينية -الأميركية في هذه الظرفية العالمية الصعبة، إلا أنه من الخطأ وصف تلك العلاقات بـ"مجموعة الإثنين" لما سيترتب على ذلك من تداعيات جيوسياسية مقلقة سواء في آسيا، أو خارجها. ومع أن البعض في الغرب يجادل بأن استراتيجية الصين الكبرى هي التحول إلى قوة بارزة في المنطقة من خلال إضعاف تحالف الولايات المتحدة بأصدقائها في آسيا، وهي أحلام ربما يسعى إليها بعض العسكريين في الصين، إلا أنه من المستبعد أن تولي بكين تلك التخمينات اهتماماً جدياً. لكن الهدف الأكثر واقعية الذي ربما تسعى الصين إلى تحقيقه هو إقامة شراكة قوية مع الولايات المتحدة يحتل فيها حلفاؤنا الرئيسيون مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند والفلبين مرتبة ثانوية لتقتسم الولايات المتحدة والصين النفوذ في جنوب شرق آسيا وينفردا بالقيادة. والحقيقة أن هذا الاعتقاد هو بالضبط ما يثير قلق الآسيويين، إذ يسود تصور من اليابان إلى الهند بأن بحث إدارة أوباما عن حل عاجل لأسوأ أزمة اقتصادية تضرب الاقتصاد الأميركي منذ الكساد الكبير قد يدفع الإدارة الأميركية إلى عدم الاكتفاء بتوسيع العلاقات السياسية والاقتصادية مع الهند وتعميق الحوار الاستراتيجي بين الطرفين، بل قد يحملها على إقامة شراكة استراتيجية متكاملة مع الصين. ويخشى الآسيويون من أن ترتمي أميركا، في وقت بدأ مركز ثقل مصالحها الاقتصادية ينتقل من أوروبا إلى آسيا، في أحضان الصين وتتبنى مقاربة تقوم على تفضيل بكين دون سواها. ورغم الرسائل الإجابية والمطمئنة التي خلفتها الزيارة الأخيرة لوزيرة الخارجية الأميركية، لآسيا من خلال بدئها باليابان وإندونيسيا وكوريا الجنوبية قبل التعريج على الصين، إلا أنه مع ذلك يتعين على أميركا بذل المزيد من الجهد لتبديد هواجس الحلفاء. وفي هذا الإطار لا بد من التذكير أن التحالفات الأميركية التقليدية في آسيا خدمت المصالح الأميركية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبأننا نقتسم مع الديمقراطيات في المنطقة أكثر مما يجمعنا مع الصين. ورغم التقدم الذي أحرز بفضل التعاون مع بكين في مجالات استراتيجية مهمة مثل ملف كوريا الشمالية، إلا أنه مازالت العديد من القضايا الأخرى عالقة مثل موضوع دارفور وبورما وإيران، حيث السياسات الصينية بعيدة كل البعد عن روح التعاون، ولا ننسى أيضاً أن التحرش الصيني الأخير بالبحرية الأميركية في بحر جنوب الصين خلال الشهر الماضي. ومن ناحيتها يمكن للصين القيام بالكثير لإثبات مدى التزامها بتطوير علاقاتها مع الولايات المتحدة واستعدادها لتولي مسؤولياتها العالمية، وهنا يتعين على الرئيس الصيني إطلاع نظيره الأميركي على الخطوات التي سيتخذها لمساعدة أميركا على تنفيذ استراتيجيتها الجديدة في أفغانستان وباكستان، وبدلا من الاكتفاء بتقديم دعم رمزي يمكن للرئيس الصيني التعهد بفتح المناطق الغربية في الصين أمام القوات الدولية كطريق بديل للإمدادات، هذا بالإضافة إلى الاتفاق على خطوات ملموسة للتعاون الثنائي في مجال الطاقة والتغير المناخي. ومع أن التعاون بين البلدين الذين مرت ثلاثين سنة على إقامة علاقات دبلوماسية بينهما سيساهم في حل العديد من القضايا المرتبطة بالاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة، إلا أنه لا يمكن أبداً التصدي للتحديات التي تواجهنا اليوم دون إشراك الدول الآسيوية الأخرى، تلك الدول التي سترى في "مجموعة الإثنين" بين أميركا والصين أهم تحول استراتيجي في المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما سيعرض العلاقات الأميركية مع حلفائها الآسيويين إلى الخطر. ـــــــــــــــــــــــــــ دينس وايلدر باحث بمعهد بروكينجز ومدير سابق لشؤون شرق آسيا في مجلس الأمن القومي الأميركي. ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"