عشرات القمم العربية التي عقدها الزعماء العرب دون فائدة، بل أضاعت الكثير من الجهد والمال اللذين كان يمكن بذلهما لتطوير الوضع المادي لملايين العرب سواء في توفير فرص العمل أو تطوير البنى التحتية أو بناء مراكز أبحاث، لكن لم يقبض المواطن العربي شيئاً يستحق الإشادة والإعجاب من هذه القمم. فالقادة العرب إنما جاءوا لكي يتناقشوا ويتصالحوا. ولم يختلف الأمر كثيراً في مؤتمر قمة الدوحة الأخيرة لسبب بسيط جداً هو أنهم لم يأتوا لكي يعملوا من أجل بلدانهم، بل جاءوا لكي يتناقشوا! وما هي نهاية هذه النقاشات الطويلة؟ لا شيء يستحق الذكر. بل إنهم لم يتمكنوا من المصالحة فيما بينهم. فغياب الرئيس المصري أثر على القمة، وغادر الحكام العرب المؤتمر ليعودوا لقمة أخرى بدون تحقيق أي نتائج. والسؤال: لماذا تفشل القمم العربية سواء كانت للمصالحة أو لأي موضوع آخر؟ الإجابة بسيطة. العرب أمة لا تُحسن قراءة الواقع العربي الذي يتمثل في التالي: - اختلاف السياسيات الداخلية للدول الأعضاء في جامعة الدول العربية. - اختلاف السياسات الخارجية لكل دولة عربية. وأبسط مثال، العلاقة مع العدو الإسرائيلي. - اختلاف القوة المالية لكل دولة. - اختلاف طبيعة كل مجتمع عربي عن الآخر. - اختلاف مشاكل كل دولة عربية عن الأخرى. - اختلاف وجهات النظر لكل دولة عربية عن الأخرى في تصوراتها لحل المشاكل العربية القائمة بينهم. ومن الطريف أن قمة الدوحة عُقدت للمصالحة العربية، والعلاقات المصرية- القطرية في أوج اختلافاتها التي لم تتمكن قمة الكويت التصالحية من تحقيقها أو تخفيف حدتها بين مصر وقطر بسبب تدخل قطر في الشأن الفلسطيني بالوقوف مع حركة "حماس"، والعلاقات القطرية- الإيرانية في وقت يشهد فيه العالم العربي لأول مرة في تاريخ الدولة العربية الحديث تدخل العامل الإيراني في القضايا العربية، وهو تدخل ما له أن يحصل لولا سوريا وقطر نفسها. ولذلك يكون من الطبيعي ألا يزيد نشاط القمة عن إلقاء مجرد كلمات مكررة ولا قيمة لها على صعيد الواقع العملي. بل إن قمة الدوحة الأخيرة لم تناقش القضايا العربية المهمة، واضعة موضوع الرئيس السوداني على رأس أولويات جدول المؤتمر. مع العلم أن العرب سيكون موقفهم حرجاً على المستوى السياسي فيما لو قام المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أوكامبو بإصدار مذكرة اعتقال بحق القادة الإسرائيليين بسبب العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة. هل سيقف القادة العرب المعارضون لهذه المحكمة، ضدها كما هو الحال اليوم؟ العرب أمة لا تفكر أبعد من موقع قدميها في مجال السياسة الدولية للأسف الشديد. القادة العرب محتاجون لقراءة عميقة لتجربة الاتحاد الأوروبي الذي يجمع دولا لا يربطها رابط اللغة قدر ارتباطها بالمصالح الخاصة بشعوبها، في مقابل عدم اهتمام الحكام العرب بمصالح الشعوب العربية. المصالحة العربية- العربية التي أصبحت هذه الأيام (موضة) المؤتمرات العربية، لن تتحقق ما دامت السياسات مختلفة، وما دامت المصالح مختلفة، وما دام الجميع لا يهتم بالقضايا الأساسية مثل التعليم والعلاقات مع العدو الإسرائيلي والاقتصاد. بل وكيف يمكن للعرب أن يتصالحوا والاختلافات الخليجية- الخليجية لا تزال محل الاختلاف. هل نذكر المناهج المدرسية أم السياسات النفطية أم العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية. لقد توافدوا للمناقشة... ولا خير في أقوال لا يدعمها عمل جاد ومصارحة حقيقية وآلية تحدد كيفية تحقيق هذه الأعمال.