برز في الآونة الأخيرة عند عديد من المفكرين السياسيين، كتاباً وجامعيين وحزبيين مستقلين، موضوع المؤتمر الوطني للإنقاذ بمسميات عديدة: الجبهة الوطنية للإنقاذ، المؤتمر الوطني للخلاص كأحد الحلول للخروج من المأزق السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي الراهن. هي دعوة علنية وليست سرية لكل الاتجاهات الوطنية في البلاد للاجتماع معاً لمناقشة الأوضاع الراهنة من كل الزوايا للوصول إلى حلول مشتركة تكون برنامجاً للعمل السياسي المشترك تتفق عليه كل القوى السياسية، وتعمل على تحقيقه، ناصريين وليبراليين وشيوعيين ومستقلين. وتضم أيضاً أعضاء إصلاحيين من الحزب الحاكم، وتمثل إجماعاً وطنياً في البلاد أو الحد الأدنى المتفق عليه من كافة القوى والتيارات السياسية. لا يمثل سلطة بديلة ولا تجميعاً لقوى المعارضة في مواجهة الحزب الحاكم بل التفكير الجماعي بصوت مسموع فيما يدور بين المواطنين همساً، وما قد يتناقله الناس سراً، وما يغضب بعض نشطاء جماعات الرفض ويدفعهم إلى العنف بين الحين والآخر كمؤشر للغضب، وعلامة للرفض. وهي تجربة تمر بها كل الشعوب التي تصل إلى مرحلة تاريخية حاسمة سواء أثناء حركة التحرر الوطني مثل فيتنام وكوبا والجزائر، أو إلى مأزق تاريخي في مرحلة ما بعد الاستقلال عندما تفشل خطط التنمية ويزداد معدل البطالة، وتنحاز السياسة الخارجية إلى الغرب، وتغيب الحريات العامة وتداول السلطة، ويعم القهر، وتمتلئ السجون بالمعتقلين والخصوم السياسيين. وتطرح على هذا المؤتمر الوطني للإنقاذ السياسات الخارجية، وكيف تكون أكثر استقلالاً عن قوة الغرب خاصة الولايات المتحدة الأميركية وعصر القطبية الواحدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية عصر الاستقطاب. فعلى رغم تحول سياسات مصر الخارجية من الشرق إلى الغرب منذ بداية السبعينيات إلا أن الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقدس والقطاع ما زال قائماً مع مزيد من الاستيطان في الضفة والتهويد للقدس، والدعم الغربي لإسرائيل بالمال والسلاح. ولم تحم هذه السياسات تجاه الغرب قطاع غزة من العدوان عليه. وما زال حل الدولتين مجرد شعار للتسكين والتخدير دون أي خطوات عملية لتحقيقه لشراء وقت للاستيطان والتهويد حتى لا تتبقى أرض للتفاوض عليها، ولا مدينة لتقسيمها. والآن بعد نهضة الشرق، روسيا من جديد، والصين والهند واليابان وكوريا الشمالية والجنوبية وباقي دول شرق آسيا يمكن اتباع سياسة أكثر توازناً بين الشرق والغرب كما كان الأمر في الخمسينيات والستينيات فيما عرف باسم سياسة عدم الانحياز أو الحياد الإيجابي. وبعد نهضة أميركا اللاتينية وصعود نجوم جديدة للاستقلال الوطني مثل شافيز في فنزويلا وموراليس في بوليفيا وصعود الأرجنتين والبرازيل اقتصادياً يمكن إعادة تنشيط منظمة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا ومنظمة القارات الثلاث لإحياء العالم الثالث كقطب دائم في السياسة الدولية. ولما كانت مصر مركز الثقل في الوطن العربي وقائدة حركة التحرر في تاريخ الوطن العربي الحديث، فإن مسؤوليتها التاريخية في الحفاظ على وحدته وإنهاء انقسامه إلى محورين، محور الاعتدال ومحور الممانعة الذي انعكس على المقاومة الفلسطينية بين "فتح" و"حماس" وأضر بقدرتها على التفاوض باسم شعب فلسطين. ورفض الطرف الآخر التفاوض مع "حماس"، ولم يعط شيئاً لـ"فتح". فما زالت الضفة والقدس تحت الاحتلال، مزروعة بالحواجز، تداهمها قوات الاحتلال في أي وقت، وتقام المستوطنات الجديدة، وتوسع المستوطنات القديمة فيها. وعلى الصعيد الداخلي، يطرح المؤتمر قضية الحريات العامة والحياة الديمقراطية في البلاد. فلا تكفي حرية التعبير في صحف المعارضة، بل من الضروري إكمالها بحرية الحركة. ويطالب بإلغاء قانون الطوارئ وعدم تحويله إلى قانون مكافحة الإرهاب، تغيير الاسم والمضمون واحد، والأحكام العرفية، وكل القوانين الاستثنائية. ويتم الإقرار بالتعددية، والاعتراف بشرعية القوى السياسية في الشارع المصري بدلاً من نزولها تحت الأرض أو العمل في جو لا شرعي فيجعلهم أكثر تطرفاً وربما ممارسة للعنف. فعنف الدولة يولد عنف الأفراد، والعنف المرئي ينتج العنف غير المرئي، والعنف القاهر يسبب العنف المحرِّر، بتعبيرات حركات التحرر في أميركا اللاتينية. وتجرى انتخابات حرة دون تزوير لمعرفة من هم ممثلو الشعب الفعليون حتى تتحدث السلطة المنتخبة في أي مفاوضات خارجية باسم الشعب فتكون لها قوة التصديق والفاعلية. فتنشط الحياة السياسية، وينخرط المواطنون في الأحزاب، ويشارك الجميع في الانتخابات بدلا من الشكوى من ضعف الإقبال عليها، بحيث لا يشارك فيها إلا 5 في المئة من مجموع الشعب. ويُطرح موضوع التعديلات الدستورية. ويتطرق المؤتمر الوطني للإنقاذ إلى الأزمة الاقتصادية وما يتحدث عنه كل الناس، سيطرة رجال الأعمال، والفساد والاحتكار، وبروز أسماء في الحياة الاقتصادية تعادل أسماء رجال الإقطاع وتجار القطن قبل الثورة. ويتهامس الناس بعد بيع القطاع العام وقانون الخصخصة: ماذا تبقى من دعم الفقراء للمواد الأولية ومشاريع الإسكان والتعليم والصحة والخدمات العامة؟ تفاوتت المسافة بين الأغنياء والفقراء، بين المدن الجديدة المحوطة بالأسوار وبين النجوع ومدن الصفيح وسكان المقابر الممتدة حول القاهرة وأحياناً في قلبها. كما بعدت المسافة بين الأجور والأسعار، وارتفعت الأسعار بمعدل أسرع بكثير من ارتفاع الأجور. فعم الفقر، وقلت القدرة الشرائية للمواطنين. لم تعد قيم العدالة الاجتماعية ولا المساواة ولا تذويب الفوارق بين الطبقات كما كانت شائعة في الخمسينيات والستينيات. وزادت نسبة التهرب الضريبي عند الأغنياء، وضيقت الخناق على الفقراء. وضعفت سيطرة البنك المركزي على البنوك الخاصة. وعلى مستوى التعليم والثقافة، انهار التعليم العام وفرغ من مضمونه وتحول إلى دروس خصوصية لا يستطيع التلميذ أن ينجح بدونها. يقوم على التلقين والحفظ، والخوف من الرؤساء والطاعة لهم. وانهار التعليم العالي بالكتاب المقرر وتحويله إلى مصدر رزق داخلي للأستاذ إن ضعف المصدر الخارجي من الإعارات. تحول أيضاً إلى حفظ وتلقين ونقص في المكتبات وزيادة في أعداد الطلاب، وضعف التكوين العلمي ابتداءً من الرسائل الجامعية، والتحول إلى نظام الساعات المعتمدة ونظام الفصلين الدراسيين وضياع الوقت في إجراء الامتحانات لآلاف من الطلاب، وأخيراً ابتدع نظام الجودة الذي يجعل الأستاذ يجري وراء رزقه بزيادة عدد ساعات العمل والحضور أربع مرات يومياً بلا أماكن لاستقبال الطلاب أو مكتبات أو قاعات للبحث العلمي. وانهار الإعلام الرسمي بخضوعه لوزارة الإعلام وسيطرة الدولة عليه وتعبيره عن الرأي الواحد هو الرأي الرسمي للدولة. وتحول المواطن إلى القنوات الخاصة والصحف الخاصة المحلية والعربية يجد فيها ما يريد من أخبار وبرامج إعلامية. غاب المشروع القومي ولم يعد المواطنون يرتبطون بخطة قومية عامة مثل الاستقلال الوطني أو التنمية المستقلة أو الوحدة العربية. لم يعد الولاء للوطن ولا الانتماء إليه. فآثر المجتمع الهجرة إلى الخارج والوقوف في الطوابير بالساعات أمام السفارات الأجنبية للحصول على تأشيرة دخول أو الهجرة غير الشرعية عن طريق البحر حتى يصل إلى البر الآخر إذا لم يغرق في الطريق أو يُقبض عليه من سلطات الأمن الساحلية أو الهجرة تحت الأرض في تنظيمات سرية أو الانغماس في الحياة الدنيا وفي عالم رجال الأعمال والتجارة والصفقات والغنى السريع. هذا جدول أعمال مقترح للمؤتمر الوطني للإنقاذ، علني وليس سرياً، لا تتدخل فيه أجهزة الأمن ولا تتصنت عليه. فهو محاولة للخروج من المأزق الراهن سلمياً وعلنياً وبمشاركة الجميع بما في ذلك الجناح الإصلاحي للحزب الحاكم. ساعته اليوم وليس غداً، في العاجل وليس في الآجل.