تعد ظاهرة الفساد واحدة من المشكلات التي أجمعت تقارير الخبراء الدوليين على توصيفها كعائق رئيسي يواجه جهود التنمية والتطوير في دول العالم النامي، وعلى أن ضعف آليات المحاسبة والمساءلة والشفافية، يعتبر سبباً رئيسياً وراء معدلات انتشار الفساد في تلك الدول، وأنه لذلك السبب يتعين على حكوماتها، من أجل تحقيق تنمية حقيقية، ولتحسين مناخ النمو والاستثمار فيها، مواجهة الفساد وتغيير الأسباب التي تهيئ له ظروف الاستمرار والانتشار. لكن ما هو الفساد ذاته؟ وكيف تتجلى أبرز مظاهره ومؤشراته؟ وما هي الآليات المثلى لمنعه ومكافحته؟ تلك بعض التساؤلات التي تجيب عليها مجموعة أوراق بحثية متخصصة ضمها الكتاب الذي نعرضه هنا، وعنوانه "مكافحة الفساد في الوطن العربي"، وقد أعدته وأصدرته المنظمة العربية للتنمية الإدارية. وفي دراسة عنوانها "مواجهة وقياس الفقر والتفاوت في توزيع الدخل والتنمية البشرية وأثرهما على ظاهرة تبييض الأموال"، يوضح الدكتور محمد ناجي حسن خليفة، أن ظاهرة الفساد وتبييض الأموال تجد بيئتها المناسبة في الدول والمجتمعات الفقيرة، والتي تعاني من نقص في الاحتياجات الأساسية، ومن التفاوت في توزيع الدخل وسوء حالة التنمية البشرية. ثم يتناول الباحث بالتحليل أهم المفاهيم الخاصة بتوصيف الفقر وأنواعه الرئيسية؛ من فقر مدقع، وفقر مطلق، وفقر نسبي. كما يعرض لأهم الطرق المستخدمة في قياس خط الفقر، مبيناً أن هذا المفهوم لا يصلح لأغراض المقارنة بين الدول، ولا يعكس مدى ضخامة مشكلة الفقر فيها، ولا درجة التفاوت في شدة الفقر. وبدلا من ذلك، يميل الكاتب إلى الأخذ بمؤشرات نسبة الفقر، ومؤشر فجوة الفقر، ومؤشر شدة الفقر... إذ من شأنها أن تساعد في صياغة سياسات تعمل على مواجهة الفقر والتخفيف من حدته وآثاره، وتالياً حرمان الفساد وتبييض الأموال من بيئة مناسبة لانتشارهما. ويتعرض اللواء شفيق شوقي لـ"مفهوم وأهداف غسل الأموال"، حيث يوضح أن هذا الأخير هو "أي فعل أو شروع في فعل مؤداه إخفاء الخصائص والمصادر غير القانونية للأموال المتحصل عليها، بحيث تظهر وكأنها واردة من مصدر شرعي". وفيما يتعلق بالأهداف، يقول الباحث إن عمليات غسل الأموال ترمي إلى هدفين: أولهما إخفاء الرابط بين المجرم والجريمة، وثانيهما استثمار العائدات الإجرامية في مشروعات مستقبلية. أما الدكتور عادل عبد العزيز السن، فيبحث "مكافحة غسل الأموال ومبدأ السرية المصرفية"، متوقفاً عند ظاهرة غسل الأموال وإطارها القانوني كجريمة لاحقة لجريمة أصلية تنتج عنها أموال غير مشروعة. وبالنظر إلى الطابع الخاص لجرائم غسل الأموال، فقد اهتمت الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالتأكيد على اتخاذ التدابير التحفظية على الأموال غير المشروعة بمجرد بدء الملاحقة القانونية، ودون انتظار لصدور إدانة جنائية. وقد ارتكزت منظومة الأحكام والاتفاقيات الدولية حول غسل الأموال على محاور ثلاثة: أولها تجريم أفعال غسل الأموال وتقرير عقوبات لمرتكبيها، وثانيها منع استخدام النظام المالي والمؤسسات المصرفية كقنوات لتسهيل غسل الأموال. أما المحور الثالث والأخير فهو دعم التعاون الدولي لمكافحة جرائم غسل الأموال. ويقترح الدكتور عطا خليل "مدخلا لمكافحة الفساد في العالم العربي"، وذلك انطلاقاً من "تجربة الأردن" في هذا المجال، فيقدم عرضاً وافياً حول تعريف الفساد، وطبيعته، ومؤشراته، ومخاطره التنموية، ونطاق انتشاره، كما يلخص بعض التقارير الدولية حول هذه الظاهرة، والقرارات التي صدرت عن الأمم المتحدة لمحاربتها والحد منها. أما في العالم العربي فتقوم دوله بجهود حثيثة لمكافحة الفساد على كافة المستويات، سعياً لمواجهة عجز الموازنة العامة الناتج عن انخفاض الإيرادات وزيادة النفقات، وذلك عن طريق استحداث التشريعات المتعلقة بالجرائم الاقتصادية، وتطوير سياسات التصحيح الاقتصادي. وكما يقول الباحث فإن الجهود المبذولة لمكافحة الفساد بدأت من قبل الدول المتقدمة، لكن الدول النامية هي أيضاً باشرت إجراءات فعلية لمكافحة الفساد. وبعد أن يعرض الكاتب مؤشرات ومظاهر انتشار الفساد، والتقييمات المختلفة لحجمه في الأردن، وتقدير الرأي العام لهذا الحجم وذلك الانتشار، ثم أسباب نمو الظاهرة وعواقبها على جهود التنمية والإصلاح... يصل إلى بيان إجراءات مكافحة الفساد التي باشر الأردن تطبيقها، بدءاً بتشكيل وحدة لمكافحته، وقانون لتجريمه، بالإضافة إلى إجراء الدراسات حوله. وتعد الرشوة أحد المظاهر الصارخة للفساد، وهي من أخطر الجرائم التي يرتكبها الموظف العام، لما تنطوي عليه من مساس بنزاهته والثقة التي أوكلت إليه. على ضوء هذه الحقيقة تناقش دراسة أخرى للدكتور عادل عبد العزيز السن الإطار القانوني لـ"مكافحة أعمال الرشوة" باعتبارها أهم صور الفساد وأكثرها انتشاراً، كما يتناول الإطار التطبيقي للفساد بصفة عامة والرشوة على وجه الخصوص، والآليات الضرورية لمكافحتهما. وفي هذا السياق يحذر الكاتب من سيطرة البيروقراطية والتعقيد الإداري، باعتبارهما دافعاً كبيراً للجوء إلى الرشوة، حيث يريد الأشخاص إنجاز معاملاتهم في أقل وقت ممكن. أما حين يتم تقديم الخدمات إلى مستحقيها بدون بيروقراطية أو إجراءات معقدة وطويلة، فلن يفكروا في ارتكاب جريمة الرشوة. وأخيراً نقرأ بحثاً حول "الرقابة على الأموال العامة" لكاتبه عبد العزيز الإمام، إذ يعرفها بالقول إنها "مجموعة الإجراءات التي توضع للتأكد من مطابقة التنفيذ الفعلي للخطط الموضوعة ودراسة أسباب الانحراف؛ لمساءلة المتسبب، وعلاج نقاط الضعف، ومنع تكرار الخطأ". وهكذا تتضح الصورة حول الفساد الذي لم يعد ظاهرة تقتصر على الدول النامية وحدها، بل نجد أن كثيراً من عملياته النوعية والكبيرة، كغسيل الأموال مثلا، تجد منابع خيوط انطلاقها أو مصبات وصولها، أو هما معاً، في الدول المتقدمة... ليس فقط بسبب تشابكات النظام المالي المعولم، ولكن أيضاً لأن النظام الرقابي، المالي والبيروقراطي، في تلك الدول، ينطوي هو كذلك على ثغرات يمكن للفساد أن ينفذ منها ناشراً أضراره على الجميع! محمد ولد المنى ------------ الكتاب: مكافحة الفساد في الوطن العربي المؤلفون: جماعة الناشر: المنظمة العربية للتنمية الإدارية تاريخ النشر: 2009