هناك كتب كثيرة تأخذ على عاتقها مهمة استكشاف القضايا الاجتماعية والاقتصادية المعقدة وبحث تداعياتها المتشعبة على أجزاء مهمة من عالمنا، لاسيما تلك المناطق والبلدان التي باتت تحظى باهتمام إعلامي متزايد لما استطاعت تحقيقه من قفزة اقتصادية نوعية مثل الهند والصين وغيرهما. وغالباً ما تغرق تلك الكتب في لعبة ترويجية مكشوفة، أو تنهمك في مراجعة نقدية للتاريخ تغلفها رؤية أيديولوجية تجعلها في الكثير من الأحيان أسيرة تصورات مسبقة لا تتفق بالضرورة مع الواقع المراد دراسته، لكن الكتاب الذي نعرضه هنا بعنوان "تخيل الهند: فكرة الأمة المتجددة"، لمؤلفه رجل الأعمال الهندي "نادان نيلكاني"، مؤسس شركة "إنفوسيستم"، إحدى كبريات شركات تكنولوجيا المعلومات في العالم والتي تتخذ من مدينة بانجالور الهندية مقراً لها، يختلف عن المؤلفات السابقة في مقاربتها للهند لأنه يأتي من أحد رجال الأعمال المشهود لهم في الهند بنزاهته الفكرية واستقامته المالية. وبالنظر إلى الوزن الذي يمثله المؤلف في الساحة الهندية، لم يكن غريباً أن يدبج مقدمة الكتاب المعلق الأميركي توماس فريدمان الذي يعترف منذ البداية بتجربة "نادان" الغنية باعتبارها أحد المدراء القلائل الذين انتشر اسمهم الأول في العالم وأصبح متداولا على نطاق واسع دون الحاجة إلى إكمال الإسم، ومن هؤلاء الذين يضع فريدمان الكاتب في مصافهم "بيل جيتس" و"وارين بافيت" وغيرهما من كبار رجال الأعمال ممن طبقت شهرتهم الآفاق. هذه التوطئة المهمة بقلم فريدمان تجعل الكتاب مثار اهتمام القارئ. والكتاب يغطي مجموعة واسعة من الموضوعات تتراوح بين تأثير الحكم البريطاني على الهند، والتغيرات الاجتماعية المترتبة على الحضور الاستعماري، ثم البصمة التي خلفها سياسيون بارزون تعاقبوا على قيادة الهند مثل نهرو وغاندي وغيرهما، وانتهاءً بمواكبة مسيرة الهند وتسليط الضوء على تعقيداتها الاجتماعية، مثل التراتبية الصارمة بين مكونات المجتمع، وقضايا الدين والنمو الديموغرافي المتفجر، دون أن ينسى المؤلف مشكلات الصحة والتعليم والفقر والمرض التي مازالت تلاحق الهند دون هوادة. لكن رغم الموضوعات العديدة والمتشعبة التي يتناولها الكتاب تبقى المقاربة الأساسية المعتمدة قائمة على الأفكار سواء تلك التي أثرت في الهند وأنتجب واقعها الحالي، أو تلك التي يقترحها الكاتب ويدعو المسؤولين إلى تبنيها، بل نجده يستشرف المستقبل ويجازف بطرح أفكار لصياغة المستقبل. وفي هذا الإطار يقسم المؤلف كتابه إلى أربعة أجزاء كل واحد منها يتبنى فكرة معينة مبتدئاً الفصل الأول بعنوان فرعي "الأفكار التي استقرت" سارداً المسيرة المتعثر للهند نحو العولمة وصعوبة التأقلم معها، وترددها في قبول دور رجال الأعمال في رسم مستقبل البلاد وقيادته نحو الرخاء، وتحفظها المستمر على اللغة الإنجليزية كلسان غير رسمي يجمع بين مكونات المجتمع المختلفة وطبقاته المتباينة. المؤلف أيضاً يشير إلى بعض التغيرات التي طرأت على العقلية الهندية، وأهمها كيفية التعاطي مع المشكل السكاني، إذ في الوقت الذي ركزت فيه النظريات الاقتصادية التقليدية على خطورة التزايد الديموغرافي المنفلت إلى حد اعتباره قنبلة موقوتة، بدأ هذا التصور في التغير انطلاقاً من السبعينيات عندما أصبح ينظر إلى العامل السكاني كنقطة قوة ومورد أساسي بدل التعامل معه كعبء اقتصادي. وقد زاد هذا التصور رسوخاً مع ظهور اقتصاد المعرفة واتساع قاعدته في الهند والذي يرى في الموارد البشرية المدربة والمؤهلة قوة إنتاجية هائلة. ويعتقد الكاتب أن الهند تحتل موقعاً فريداً يمكنها من جني ثمار واقعها السكاني أكثر من غيرها بما في ذلك جارتها الصين ذات الكثافة السكانية العالية، فحسب الإحصاءات يصل متوسط الأعمار في الهند إلى 23 عاماً مقارنة مع 32 عاماً في الصين، وهو ما يعطي أفضلية للهند على جارتها. ويذكرنا الكاتب في هذا الإطار أن "الهند تتوفر على ثاني أكبر مخزون للعمالة الماهرة في العالم، بحيث تخرج سنوياً مليوني طالب يتحدث الإنجليزية، و15 ألف متخصص في القانون، فضلا عن 9 آلاف خريج دكتوراه، هذا ناهيك عن العدد الحالي للمهندسين في الهند والذي يفوق مليوني مهندس والمتزايد بحوالي 300 ألف كل سنة". بيد أن الكاتب الذي يسهب في التطرق إلى إمكانات الهند التي تؤهلها للعب أدوار طلائعية على الساحة الدولية يتجرد من النظرة الإعلامية السطحية التي يعترف بأنه حتى الهنود أحياناً لا يجدون فيها أنفسهم، مشيراً إلى التناقضات والمفارقات الخاصة بالهند، بالإضافة إلى المعوقات الاجتماعية والثقافية التي قد تكبح مسيرة الهند وتحول دون استمرارها في معدل النمو الحالي على المدى المتوسط. ومن تلك التناقضات ما يكشفه الكاتب من ضرورة التركيز على التعليم في مراحله الأولى، لأن الهند تتوفر على أعلى نسبة للهدر المدرسي في العالم، فضلا عن هشاشة التعليم الجامعي الذي يصفه الكاتب "بمؤسسات من رمال". كذلك مازالت السياسة في الهند غارقة في الصراعات الثنائية والازدواجيات المتناقضة بين الفيدرالية والعلمانية وبين العقلانية والخرافة، كما أنها قائمة على هرمية مقيتة تفرق بين الطبقات الاجتماعية والانتماءات الدينية. زهير الكساب ---------- الكتاب: تخيل الهند: فكرة الأمة المتجددة المؤلف: نادان نيلكاني الناشر: بينجوين تاريخ النشر: 2009