لعل أبرز ما حدث عن القمة العربية التي انعقدت في الدوحة الاثنين الماضي، هو ما غاب عنها. فعلى صعيد حضور القمة، غابت ثلاث جهات، يمكن تقسيمها إلى طرفين، الأول كان حضوره سيشكل استثناءً وخروجاً عن قواعد القمة، أما الطرف الغائب الثاني فغيابه هو الاستثناء. والطرف الأول هو إيران وحركة "حماس" وحضورهما (بأي شكل مباشر أو غير مباشر أو حتى مجرد طرح اقتراح حضورهما)، كان سيشكل قضية خلافية، لعدم وجود مسوغ قانوني أو حتى سياسي لحضورهما. والغياب الثاني، هو غياب الرئيس المصري زعيم أكبر دولة عربية. وعلى صعيد القضايا الغائبة، غابت قضايا الديمقراطية والإصلاح التي حضرت في قمم سابقة. غياب الرئيس المصري يفتح جزئيّاً على الأقل ملف الإعلام العربي، إذ إنّ التحفظات المصريّة بشأن أداء قناة "الجزيرة" الفضائية لاشك ضمن أسباب هذا الغياب، وقد قال ممثل مصر في القمة، الوزير مفيد شهاب إنّ: "من المهم أن يكون الإعلام العربي حكومياً كان أم غير حكومي، على مستوى المسؤولية وأن يلتزم بالحقائق وينأى عن تأجيج الخلافات بين الشعوب والدول العربية". وهذه الغيابات تؤكد ما يعرف الآن في أدبيّات العلاقات الدولية، باسم "عودة الدولة". والمقصود هنا أنّه بينما كان العالم يميل حتى نهاية عهد بوش وبداية الأزمة المالية العالمية، إلى القبول بما يعرف في العلاقات الدولية بالفواعل العابرة للدول (الفوق قومية)، وبدور منظمات وهيئات دولية، وبينما كانت بعض الدول العربية تحاول خلط الأوراق الإقليمية بمبادرة منها بواسطة إعادة تشكل خريطة التحالفات العربية من خلال مبادراتها الخاصة بدعوة دول غير عربية لتكون جزءاً من القرار العربي، أو بجعل منظمات وفصائل جزءاً من التمثيل الرسمي لبلدانها، تراجع كل ذلك، بل وتراجع حتى دور الإعلام الفضائي، باعتباره لاعباً دولياً "فوق قومي". لأسباب مختلفة، قد لا تكون واضحة تماماً في ذهن بعض السياسيين العرب، وقد لا تكون مقصودة، عكست قمة الدوحة الأخيرة، عدة معطيات، أولها، العودة للإقرار بأنّ تحديد من يحضر القمم والاجتماعات العربية أمر يخص جميع الحاضرين وليس دولة بعينها أو الدولة المضيفة، ومن هنا فإنّ قمة الدوحة، على الأغلب أقفلت ملف محاولات جعل إيران جزءاً من معادلة اللقاءات العربية، وهذا بدوره قد يسمح لاحقاً بموقف عربي أفضل ومنسق يخدم حتى فتح حوار على أسس واضحة مع إيران ذاتها، ولكن ليس جعلها شريكاً في الحوار العربي الداخلي. والمعطى الثاني، الذي عكسته القمة هو التراجع عن محاولات تحديد من يمثل دولا بعينها، وهنا المقصود تحديداً محاولة فرض حضور مباشر أو غير مباشر للفصائل الفلسطينية، وتم الإقرار بوحدانية التمثيل الفلسطيني للرئاسة الفلسطينية. والمعطى الثالث، تقلّص هامش دور الفضائيات العربية السياسي، فلولا التسويات المعلنة والتي تمت منذ أكثر من عام بين قطر والسعودية بشأن تغطيات قناة "الجزيرة" للشأن السعودي، لربما كان الحضور السعودي للقمة موضع تساؤل، ولولا تسويات وترتيبات وحسابات خاصة لربما امتنع الأردن عن الحضور لذات السبب، وربما يؤدي غياب الرئيس المصري أيضاً إلى مزيد من المراجعة للأداء الإعلامي لقناة "الجزيرة". والمعطى الرابع، الذي برز في القمة هو غياب الحديث الذي ظهر في قمم أخرى، مثل قمة "تونس" عام 2004 التي تناولت الإصلاح السياسي في العالم العربي وطرقت قضايا: "الديمقراطية والشورى والنهوض بدور المرأة والإصلاحات الاقتصادية وتفعيل دور القطاع الخاص"، فقد توارت هذه القضايا، فيما يبدو أنّه عودة للفكرة التقليدية أنّها شأن خاص داخلي بالدول العربية لا داعي لنقاشها في اجتماعات بين الدول، وينسجم مع هذا التوجه رفض القمة قرار المحكمة الجنائية بخصوص الرئيس السوداني، باعتبار القرار تعدياً على "الشرعية الوطنية". والحال أن القمة العربية، وربما بشكل غير مقصود، تعكس الاتجاه العالمي لتراجع فكرة المسؤولية الدولية عن قضايا الإصلاح والشؤون الداخلية للدول، وتعكس "عودة الدولة" باعتبارها اللاعب الأساسي في العلاقات الدولية، وتراجع دور "الفواعل غير الدول" أو غير الحكوميين من أحزاب وفصائل وشركات وشبكات إعلامية وجمعيات خيرية وجماعات ضغط، وعودة فكرة "السيادة" إلى مكانتها التقليدية.