وقع اختيار الرئيس بوش مؤخرا على نيجروبونتي الذي يشغل حاليا منصب سفير أميركا لدى الأمم المتحدة، كي يكون أول سفير لبلاده في العراق بعد سقوط صدام حسين.
وإذا ما تمت المصادقة على هذا الاختيار من قبل مجلس الشيوخ الأميركي - وهو الأمر المتوقع- فإن نيجروبونتي، سوف يقيم في بغداد اعتبارا من الأول من يوليو القادم، أي في اليوم نفسه الذي سيتنحى فيه بول بريمر، رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق عن منصبه، ويتم حل تلك السلطة. وسوف يكون نيجروبونتي مسؤولا عن إدارة السفارة الأميركية التي ستكون أكبر سفارة لأميركا في العالم وستتم إقامتها مبدئيا في (المنطقة الخضراء) التي يوجد فيها حاليا مقر سلطة الائتلاف المؤقتة.
وعلى رغم أن هناك الكثيرين ممن يأخذون على نيجروبونتي عدم إجادته للغة العربية، وأنه لم يخدم أبدا في المنطقة من قبل، إلا أن الحقيقة هي أن المؤهلات التي على أساسها تم اختياره لشغل تلك الوظيفة تعتبر ممتازة للغاية. والأطراف التي سيتعين على نيجروبونتي أن يهتم بها في بداية عمله هي الحكومة العراقية المؤقتة، المقرر اختيارها من قبل المبعوث الخاص للأمم المتحدة، الأخضر الإبراهيمي... والبيت الأبيض الذي يتأهب لخوض معركة انتخابية حاسمة... وزملاؤه الحاليون في مقر الأمم المتحدة في نيويورك. ونيجروبونتي يحظى بمزايا أخرى ستفيده دون شك في عمله في بغداد. فمن ناحية نجد أنه من المقربين سياسيا من كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة الذي اختاره لشغل وظيفته الجديدة. ومن ناحية أخرى نجد أنه خدم في فيتنام كموظف في الخدمة الخارجية، وفي الفترة التي شهدت ذروة احتدام هذه الحرب، مما مكنه من التعود على أساليب العمل في البيئات الخطرة والتي لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يحدث فيها. وهناك نقطة تعد في صالح نيجروبونتي إلى حد كبير وهي أنه لم يكن أبدا من المحسوبين على جماعات المحافظين الجدد، التي حرضت بوش على إعلان الحرب على صدام حسين.
كما أنه كان مضطرا بسبب حساسية وظيفته في الأمم المتحدة، إلى الاحتفاظ دائما بعلاقة جيدة مع الدبلوماسيين الأجانب، حتى أولئك الذين كانوا ينظرون إلى سياسة الولايات المتحدة في العراق بريبة، ولا يتورعون عن معارضتها علنا. وسوف يتم إخضاع نيجروبونتي للاختبار حتى قبل أن يصل إلى بغداد. ويرجع ذلك إلى حقيقة أنه ليس من الواضح حتى الآن ذلك الشكل الذي ستكون عليه خطوط السلطة الفاصلة بين الحكومة العراقية المؤقتة الجديدة، والسفارة الأميركية، والقادة العسكريين الأميركيين الذين سيظلون هم المسؤولون عن الأمن بشكل عام في العراق. ومن المرجح على ضوء ذلك أن يتم وضع نيجروبونتي موضع الاختبار خلال فترة وجيزة خصوصا إذا ما ظل الوضع الأمني في العراق مزعزعا. ومن الممكن تسهيل مهمة نيجروبونتي إلى حد كبير، إذا ما صدر - قبل أن يحط رحاله في بغداد- قرار من مجلس الأمن الدولي بإضفاء الشرعية على الحكومة العراقية المؤقتة، وإذا ما قررت الأمم المتحدة نفسها، أن تلعب دورا أكثر قوة في فترة ما بعد يونيو القادم.
من المؤكد أن الجهات التي لا تتمنى الخير للولايات المتحدة لن تدخر وسعا من أجل تخريب عملية الانتقال السلس للسلطة في العراق. وإذا ما وضعنا العداء والغضب الذي يقوم الكثيرون من العراقيين بإظهاره حاليا ضد الولايات المتحدة في الحسبان، فإننا يمكن أن نقول إن تلك المهمة- انتقال السلطة – لن تكون بالمهمة السهلة بأي حال من الأحوال. فليس الصراعات غير المحسومة في الفلوجة، والنجف، والأحياء العشوائية في مدينة الصدر هي فقط التي ستحتاج إلى معالجة، وإنما هناك أمور أخرى منها على سبيل المثال العلم العراقي الجديد الذي أثار التصميم المقدم له غضبا واسع النطاق في أوساط العديد من العراقيين.على ضوء ذلك يمكننا مثلا أن نجد من يقول إنه إذا ما كان العراقيون غير قادرين على الاتفاق على علم وطني، فإن اتفاقهم على أمور تزيد على ذلك أهمية بكثير سيكون أمرا في غاية الصعوبة.
كي يتولى نيجروبونتي وظيفته التي ظل يشغلها حتى الآن في الأمم المتحدة، فإنه اضطر إلى ترك وظيفته السابقة في القطاع الخاص، بعد أن كان قد استقال قبلها من الخدمة الخارجية. من الآن فصاعدا سيكون لدى نيجروبونتي وقت محدود للتفكير فيما إذا كان قد اتخذ القرار الذكي أم لا، لأنه سيكون مشغولا على مدار الساعة في مواجهة الأوضاع المتدهورة في العراق، وفي الترويج والدعوة للديمقراطية على النمط الغربي. ومن المؤكد أن الاثنين معا سيمثلان أصعب تحدٍّ واجه الرجل في حياته العملية الطويلة.