جسد وعد الرئيس بوش لشارون (في رسالة الضمانات الأميركية التي ذكّرت العرب بوعد بلفور) استهانة قصوى بالعرب وبالمسلمين وبالشرعية الدولية وقراراتها المتخذة من عام 1948. فقد نسف بسطور من رسالته إلى شارون كل الجهود التي بذلها المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة ذاتها لإحلال سلام وصلح بين العرب والإسرائيليين، حين أعلن بصريح العبارة أن أي اتفاق سلام في المستقبل لن يشمل عودة إسرائيل إلى حدود 4 يونيو1967، وأنه لاحق للاّجئين الفلسطينيين بالعودة إلى أرضهم، وأن ما حققته إسرائيل من واقع استيطاني على الأرض بات حقاً لها. وقد سمّى جدار الفصل العنصري جداراً أمنياً، كما منح إسرائيل حق تدمير البنية التحتية الفلسطينية بوصفها بنية إرهابية، وحق قتل واغتيال الفلسطينيين عبر ما سماه الملاحقة الساخنة للإرهاب، وحرية السيطرة على المجال الجوي وعلى المداخل والمعابر. كما قال بصريح العبارة:"ستحتفظ إسرائيل بحق الدفاع عن نفسها ضد الإرهاب، بما في ذلك اتخاذ إجراءات ضد المنظمات الإرهابية. والولايات المتحدة ستقود الجهود" وبما أن المنظمات الإرهابية المعنية هي منظمات المقاومة الفلسطينية، التي يقف خلفها الشعب الفلسطيني كله فإن إسرائيل مفوضة إذن بقتل هذا الشعب كله حتى لا يبقى منه غير المستعدين للتوقيع على تنازل مطلق عن كل حقوق الشعب الفلسطيني ليمنحوا إسرائيل شرعية باسم شعب فلسطين، وهذا ما يتم التلميح إليه عند ترديد عبارة (ما يتفق عليه الأطراف).
لا أعتقد أن أحداً من العرب فوجئ بوعد بوش لشارون. فقد أدرك العرب منذ أواسط التسعينيات أن راعي السلام الأميركي هو محامي الخصم، وليس وسيطاً نزيهاً أو حكماً يبحث عن مصالحة تضمن لأطراف الصراع حقوقاً أقرتها لهم الشرعية الدولية، وقد كانت لاءات باراك التي دافع عنها الرئيس كلينتون وحث العرب على مزيد من التنازلات لتلبيتها هي التي أوصلت المفاوضات إلى الطريق المسدود الذي أتاحت له تفجيرات سبتمبر أن ينفتح على الهاوية حين استغلتها إسرائيل لصالحها.
ولكن العرب استمروا في التفاؤل بالموقف الأميركي واعتبر بعضهم خريطة الطريق أفضل الممكن، على الرغم من أنهم رأوا الخريطة ولم يروا الطريق، ولم يقم أحد بإعلان اليأس العربي من الرعاية الأميركية للسلام، بل باتوا ينتظرون صحوة أميركية ترى حقوقهم، وتحفظ ماء الوجه الرسمي أمام الشعب العربي الغاضب، وحين تسرب إليهم مشروع الشرق الأوسط الكبير فوجئوا بتجاهله للصراع العربي الإسرائيلي، على الرغم من أنه يرسم مستقبلاً للمنطقة تلعب فيه إسرائيل دور البطولة الاقتصادي والعسكري والسياسي. وكانت ردود الفعل العربية كافية لتذكير الإدارة الأميركية بضرورة إبداء نوع من الاعتبار لرأي القادة العرب وشعوبهم. لكن المفاجأة الصدمة جاءت في وعد بوش لشارون دون أي تشاور مع الطرف العربي، ودون أي اهتمام لردة الفعل العربية والإسلامية على سيل التنازلات التي قدمها الرئيس الأميركي هدية من حقوق العرب إلى إسرائيل.
لقد شعر المواطن العربي أن حدود الاستهانة الأميركية بالعرب والمسلمين قد تجاوزت كل الحدود، وبات الداعون إلى السلام محرجين ولا يملكون حجة أو برهاناً على أن الولايات المتحدة جادة وصادقة في مسعاها إلى سلام قابل للاستمرار، ولا سيما أن وعد بوش جاء متزامناً مع حملة ضارية ضد الشعب العراقي أكد رعاة حملة انتخابات الرئاسة الأميركية على تسميتها حملة صليبية دون زلات لسان، وهي مواكبة للحملة الإسرائيلية الوحشية المستمرة والمتصاعدة ضد الشعب الفلسطيني، مع انتشار مبرمج لأعمال إرهابية في العديد من البلدان العربية، لا يجد العرب مصلحة لأحد في العالم فيها غير إسرائيل حتى وإن بدت في ظاهرها داخلية أو إسلامية متطرفة.
لقد أعلن العرب أن السلام خيار استراتيجي وحيد لهم، وقدموا مبادرة للسلام قوبلت باستهانة أميركية وإسرائيلية مذهلة، فلم يعد لدى المسؤولين العرب ما يقولونه لشعوبهم التي أقنعوها بأن السلام ممكن وأنه سيعيد إليهم حقوقهم المغتصبة وسيفتح آفاق مستقبل من الأمن والرخاء الاقتصادي في المنطقة، وأن الإدارة الأميركية ليست عدواً للعرب والمسلمين.
ولم يكن الشعب العربي يكره الإدارة الأميركية قبل أن تبلغ استهانتها به هذا الحد الذي لا يطاق، بدليل تفاؤل الكثيرين بدورها يوم مدريد، على الرغم من الشكوك الشعبية بمصداقية توجه إسرائيل للسلام. لكن الكثيرين من العرب توقعوا أن تضغط الإدارة الأميركية على إسرائيل وأن تجبرها على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وقد بقي هذا التفاؤل قائماً حتى منتصف التسعينيات، ولكنه بدأ يتضاءل منذ أن جاء نتنياهو ومن بعده باراك الذي أعلن لاءات أوقفت عملية السلام إلى أن جاء شارون فقضى على البقية الباقية من بصيص أمل في تحقيق السلام وكشف حقيقة ما كانت تضمره إسرائيل من السير المخادع نحو السلام، وهي تضييع الوقت ريثما تتمكن من فرض وقائع جديدة على الأرض.
وأعترف كمواطن عربي ولد عام النكبة وعاش حياته في جحيمها وسعيرها، وتداعيات حروبها منذ حرب