من تداعيات المعايشة والتجربة المباشرة خلال سنوات عديدة، لمعت فجأة في ذهنه فكرة إعداد كتاب تعريفي شامل عن السودان، ثم ألحت عليه إلحاحا. لذلك يؤكد الدكتور عبدالوهاب محمد الزنتاني، المؤرخ والدبلوماسي السابق، في مقدمة كتابه الذي نعرض هنا خلاصة له، وعنوانه "أزمات السودان بين الديمقراطية والديكتاتورية"، على أن الأمر لا يتعلق ببحث سياسي تحليلي ممنهج ومنظم تماما، وإنما هو بالأساس مجموعة انطباعات مقيدة بطبيعة المهمة التي كان يقوم بها كسفير لبلاده ليبيا في السودان. وقد جاء كتابه في أربعة أبواب متداخلة في المحتوى وفي الإطار الزمني. في أولها، وعنوانه"أصول وأعراق"، يستعرض تاريخ السودان في العصرين القديم والوسيط. ويوضح أنه بعد مرحلة وثنية عبد خلالها السودانيون الأصنام والحيوانات و"عين الآلهة"، جاءت المسيحية عن طريق مصر حيث وصلت أول بعثة تبشيرية إلى النوبة في القرن السادس الميلادي. ثم دخل الإسلام إلى السودان بداية من القرن الهجري الأول سالكا طرقا ثلاثا هي: الشرق والشمال والغرب. وبحلول القرن العاشر الميلادي، تدفقت القبائل العربية عن طريق البحر الأحمر ومصر والصحراء الليبية، وسقطت مملكة علوة وعاصمتها سوبا، فتكونت في عام 1504 أول دولة إسلامية في السودان اتخذت من سنار عاصمة لها.
وحول التاريخ اللغوي للسودان، يذكر المؤلف أن سكانه استعملوا اللغة الهيروغليفية في عهد الملك طهراق وعاصمته "نبته"، وحتى القرن الثامن قبل الميلاد سادت اللغتان النيوليكية والكوشية. أما حين جاء الإسلام فكانت اللغة السواحلية مستعملة في بعض المناطق، وبحلول القرن الخامس عشر الميلادي صارت اللغة العربية لغة التخاطب والتراسل في غالبية مناطق الشمال، وإن احتفظت بعض القبائل باللغة النوبية إلى جانب العربية؛ كحالة الدناقلة والسكوت والمحس والكنوز، وكذلك قبائل البيجا التي احتفظت بلغتها وهي التابودية.
وإن كانت الخريطة النمطية للأعراق في السودان تقسمه إلى فئة زنجية في الجنوب ونوبية في الشمال وبيجاوية في الشرق وعربية في الوسط، إلا أن الدكتور الزنتاني يؤكد على حقيقة التداخل بين هذه الأعراق وامتزاجها أحيانا.
ويناقش المؤلف تاريخ العلاقات بين بلدي وادي النيل (مصر والسودان)، مؤكدا على أنها كانت وثيقة دائما، وعندما جاء محمد علي واليا على مصر في عهد الخلافة العثمانية، عمل على توثيقها وتأكيدها. وللتدليل على أهمية حملة محمد علي على السودان في عام 1820، يقول المؤلف إن الخرطوم في ذلك الوقت كانت "مجرد قرية صغيرة لا يوجد بها عمران ولا تتوفر فيها وسائل الحياة العصرية، فجعلها عامرة بوسائل التعليم والترفيه والحياة، حتى صارت حاضرة البلاد ومركز حكم ونشاط". لكن ابنه الخيديو إسماعيل استعمل على السودان قادة أجانب مثل غوردون باشا الإنجليزي الذي أدى عسفه إلى قيام ونجاح الثورة المهدية في عام 1882، إذ لم تمض عليها ثلاث سنوات حتى كانت أعلامها ترفرف على مباني الخرطوم. أما بعد هزيمة الثورة المهدية في عام 1898 فإن مصر التي هي حينئذ واقعة تحت الاحتلال البريطاني منذ عام 1882، لم يعد حكمها للسودان إلا حكما اسميا فقط، خاصة بعد أن رفع العلم البريطاني على سراي الحكومة في الخرطوم يوم 4 ديسمبر 1898.
ويسهب المؤلف في شرح السياسة البريطانية في السودان، واعتمادها على التعاون مع مشايخ الطرق الصوفية وزعماء القبائل وبعض العلماء الذين كانوا ضد المهدية، ويشرح تاريخ الطرق الدينية في السودان، قائلا إنها جاءت بداية من الشرق ثم من الشمال ثم من الغرب، لذلك فإن أغلب مؤيدي هذه الطائفة أو تلك ظل في مناطقها التي بدأت منها؛ كحالة الختمية في الشرق والشمال والوسط، وحالة المهدية بعدها في الغرب أساسا وبعض أجزاء من الشرق، وقد انحصر التنافس الأساسي بين الطائفتين الميرغنية (الختمية) والمهدية (الأنصار)، واستفاد الإنجليز من ذلك باستخدام الواحدة ضد الأخرى. أما الجنوب فكان ولا يزال وحدة متميزة عرقيا ودينيا ولغويا وجغرافيا، فقبائله (مثل الدينكا والنوير والزاندي واللاتوكا وسانو والنيانا..) هي قبائل أفريقية ليست لها علاقة ذات شأن مميز بالوسط أو الغرب أو الشمال. وتلك هي الكتل الثلاث التي ظلت على الدوام تقتسم السيطرة وأحيانا السلطة في السودان، تقتسمها ليس بالرضا وإنما بالواقع وضروراته.
أما عن الأحزاب السياسية، فيقول المؤلف إنها نشأت في أربعينيات القرن الماضي، وسط أجواء الجدل السياسي الحامي حول مصير السودان بين دعوات الاتحاد أي الانضمام إلى مصر في وحدة وادي النيل، وهو موقف الختمية التي كانت تتعاون مع المصريين، وبين مطلب الاستقلال الذي تبناه خصومهم من "الأنصار" ممثلين في "حزب الأمة".
لكن تاريخية العلاقات بين مصر والسودان، كما يقول المؤلف، لم تكن لتسمح لأحد من الساسة أو رجال الفكر المصريين، من محمد علي باشا إلى رشاد باشا، أن يفكر في التخلي عن السودان، إلى أن قامت ثورة 23 يوليو 1952 والتي بادر قادتها إلى الاعتراف بوجود السودان ككيان على قدم