من المؤلم جداً في هذا الوقت الذي تتعرض فيه الأمة العربية والإسلامية لأخطر مراحلها التاريخية، أن يستغل بعض الكتاب والمثقفين العرب غطرسة الولايات المتحدة الأميركية وهيمنتها على المنطقة ويركب الموجة ويشهر قلمه وصوته في وجه وطنه وأمته، ويدعو الاستعمار الغربي إلى وطنه حتى يغير الأوضاع فيه تحت ستار الحرية والديمقراطية والإصلاح. وهذا أمر يبدو واضحاً في المشهد الإعلامي وملامح الخريطة الثقافية والتربوية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية في السنوات الأخيرة، حيث تحول البعض منهم إلى مروّج للأفكار الصادرة في هذا الاتجاه، بل وأكثر من ذلك. فقد تحول البعض إلى آلة ضخ وتكرير وتمرير لاستراتيجيات الغرب الاستعمارية في المنطقة على أنها استراتيجيات قابلة لترتيب الوضع العربي، وبذلك تحول الكثير من المعاني والمفاهيم والمصطلحات والسياسات الوطنية في كتاباتهم ودراساتهم وأحاديثهم إلى سلعة ودمية يلعب بها كيفما شاء. فالاستعمار مثلاً في نظرهم أصبح نوعا من التغيير والإصلاح والحرية والديمقراطية حتى ولو كان ذلك عن طريق الغزو والاحتلال. ومقاومة الاحتلال أصبحت نوعاً من الغوغائية والفوضى والإرهاب، ورموز المقاومة الوطنية أصبحوا مجموعة من اللصوص والمجرمين والإرهابيين، والاستسلام للمحتل هو الوضع السليم والصحيح لعلاج حالة الإصلاح في المنطقة العربية.
والسؤال المهم هنا: لماذا تغيرت الصورة؟ لماذا انقلبت المواقف والأفكار؟ لماذا هذا التحول الخطير في مواقف المثقف من حالة رفض الاستعمار إلى الترويج له؟ لماذا هذا التجرد من الانتماء الوطني والهم الوطني والميراث الثقافي والديني واللغوي والحضاري؟ كل هذه الأسئلة وغيرها تطرح اليوم علامات استفهام كبيرة حول دور المثقف العربي نحو وطنه وأمته وثقافته ولغته وحضارته وقضاياه الوطنية. والتفسير الموجود لدينا يشير إلى عوامل عدة شكلت هذه الحالة أهمها: التغريب الثقافي والوهن الروحي والسقوط في فجوة الانزلاق الحضاري والتغير الأيديولوجي والانبهار بصورة المنتصر والضمور الإيماني والوطني، و"القوة الرقيقة" التي أشار إليها الباحث الأميركي والتر راسيل ميد في دراسته قوة الجذب الأميركية التي دفعت الكثير من المثقفين إلى تأييد سياسة الهيمنة الأميركية أو على الأقل القبول بها، وأهم ما جاء فيها أن قوة الولايات المتحدة الرقيقة وتأثيرها يزدادان حين تبدو في موقف المؤيد لموضوع الديمقراطية وحقوق الإنسان. كذلك فاعلية دور الشركات والمنظمات غير الحكومية والجامعات والطلاب الأجانب الذين يدرسون في الولايات المتحدة، والقيادات التي يتم الدفع بها إلى مراكز عليا بصورة خفية في دولها. وأيضاً ما أفرزته ثقافة الفيس بريسلي ووالت ديزني ومارلين مونرو والتي قدمت ما يوازي جهد وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون فوستر دالاس ووزير المالية سي دوغلاس ديلون وما قدمه دبليو ديمينغ الذي غير ملامح الصناعة اليابانية والذي كان له تأثير يضاهي تأثير الجنرال دوغلاس مكارثي.
وأبسط نموذج على هذه ما جاء في حديث د. مي يماني الباحثة في المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية في مجلة "المشاهد السياسي" عدد 421 و422 والذي كان بمثابة هجوم مباشر على وطنها المملكة العربية السعودية، وأهم ما في هذا الحديث أنه تطرق إلى نقاط جد خطيرة أهمها: المطالبة بسقوط النظام الحاكم - التشكيك في وحدة المملكة وفي موضوع صدقية الانتماء الوطني عند المواطن السعودي - العزف على أوتار الفتنة الطائفية - الافتخار بأنها العربية الوحيدة التي أطلعت الكونجرس على أوضاع بلادها - تأييدها لتجربة احتلال العراق. وقالت بالحرف الواحد: نحن في السعودية ليس لدينا أحمد جلبي سعودي ولا حميد كرزاي سعودي، ليس لدينا مثل هؤلاء الذين يمكن لأميركا أن تنيط بهم مهمة التغيير... أي بمعنى أنه لابد من البحث عن مثل هؤلاء للقيام بعملية التغيير.
هذه النقاط الخطيرة التي أشارت إليها الباحثة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بما جاء في بعض التقارير والدراسات الاستراتيجية الخاصة بالسياسة الأميركية في المنطقة العربية، مما يدل على أن المثقف العربي أصبح أداة سهلة وسلاحاً مسموماً لتمرير مثل هذه الأهداف الخطيرة ضد وطنه. وهذا الأمر أشارت إليه مؤلفة كتاب (من الذي دفع الثمن - الاستخبارات الأميركية والحرب الباردة الثقافية) حيث أشارت إلى أن المخابرات الأميركية وظفت في حربها الباردة مجموعة كبيرة من المثقفين والكتاب. ما يحدث اليوم صورة طبق الأصل حيث وقع بعض المثقفين العرب في فخ ترويج قواعد اللعبة الاستعمارية والهيمنة الأميركية. وقد أشارت بعض المصادر الصحفية إلى أن أميركا جندت مجموعة كبيرة من المثقفين العرب لتسهيل مهمة تمرير سياسة الهيمنة في المنطقة، وهي تنفق ملايين الملايين لشراء بعض الأقلام والمفكرين والصحف والإذاعات لتضمن نجاح اللعبة الاستعمارية الكبيرة في المنطقة.