عقدت مكتبة الإسكندرية مع أكاديمية اللاتينية مؤتمراً عن حوار الثقافات في الفترة من 13 إلى 17 أبريل 2004 موضوعه "الهيمنة وحضارة الخوف". وقد شارك فيه نخبة من أشهر المفكرين من أوروبا وأميركا اللاتينية. وهذه الأكاديمية أنشأها ويرأسها فريدريكو مايور السكرتير العام لليونسكو الأسبق، ومن أعضائها رئيس جمهورية البرتغال الأسبق، وساراماجو الأديب البرتغالي الفائز بجائزة نوبل، بالإضافة إلى مجموعة من المفكرين المرموقين.
الاتجاه النظري الذي تنهض على أساسه بحوث وحوارات الأكاديمية هو أن هناك خطورة بالغة على العالم كله من نزعات الهيمنة المسيطرة، وسواء اتخذت هذه الهيمنة صورة السيطرة السياسية في مجال العلاقات الدولية التي تمارسها الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها إمبراطورية القرن الحادي والعشرين، أو الهيمنة في مجال الاقتصاد التي تمارسها باسم العولمة منظمة التجارة العالمية، أو الهيمنة في مجال الثقافة التي تمارسها دول المركز المتقدمة والمسلحة بشبكات الاتصال المتطورة، وبمراكز المعلومات الزاخرة، وبمعامل المعرفة بكل أنماطها، وبإشعاعاتها الثقافية الكثيفة في مجال الفنون والآداب. وليست الهيمنة فقط هي التي – في نظر الأكاديمية– تميز هذا العصر الذي نعيش فيه، ولكن بالإضافة إليها أيضاً سيادة حضارة الخوف، والذي ترد أسبابه إلى عديد من المصادر، عبر عنها من قبل عالم الاجتماع الألماني ايرليش بك حين أطلق على المجتمع العالمي "مجتمع الخطر" ولا يقصد ذلك مجرد مخاطر التلوث الذرى، أو شيوع أسلحة الدمار الشامل، ولكن أيضاً بعض الجوانب السلبية للثورة العلمية والتكنولوجية، بالإضافة طبعا إلى بروز الإرهاب باعتباره ظاهرة عالمية، باتت تؤثر على الاستقرار السياسي في عديد من المجتمعات، بل وتهدد السلام العالمي نفسه.
وقد قدمت في الندوة بحثاً عنوانه:"نحو عالم متعدد الأقطاب: قراءة تحليلية في تقرير حوار الحضارات للأمم المتحدة". وقد تعمدت أن أقدم قراءة متكاملة لهذا التقرير المهم الذي ظهر بعد أحداث سبتمبر 2001 بعنوان "عبور الخط الفاصل".
وترجع قصة إعداد ونشر هذا التقرير إلى الاهتمام الشديد الذي لاقاه موضوع حوار الحضارات. ولعل علامة من العلامات المهمة في تطور النقاش العالمي حول حوار الثقافات نشر المقالة الشهيرة للمفكر الأميركي الياباني الأصل فوكوياما عن "نهاية التاريخ"، والتي تلتها من بعد مقالة هنتنغتون "صراع الحضارات"، التي اشتعل بعدها الجدل بين أنصار الصراع ودعاة الحوار في مجال الحوار الحضاري. وقد استطاع الرئيس محمد خاتمي رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن يضاعف من ثقل كفة دعاة الحوار، حين ألقى في الجمعية العامة للأمم المتحدة خطابه التاريخي الذي دعا فيه إلى تدعيم حوار الثقافات، واستجابت له الجمعية العامة بالإجماع، بل وأصدرت الأمم المتحدة قرارا تاريخيا بأن يكون عام 2001 هو عام حوار الحضارات. وتأكيدا لذلك الاتجاه نظمت هيئة اليونسكو مؤتمرا عالميا في فلنيوس عاصمة ليتوانيا عن حوار الحضارات، دعيت إليه لأقدم بحثاً عن "مفاهيم الحضارة في القرن الحادي والعشرين".
كان المناخ الثقافي العالمي يزخر بالتفاؤل بعد أن تم تفنيد دعاوى صراع الحضارات، ثم فجأة وقعت الأحداث الإرهابية في 11 سبتمبر فانقلب الموقف، وخصوصاً بعدما أعلنت الولايات المتحدة الأميركية عن نفسها باعتبارها الإمبراطورية التي رفعت شعار "من ليس معنا فهو ضدنا". ولعل السؤال الذي ينبغي طرحه هنا هو: لماذا في تحليلي لتقرير الأمم المتحدة عن "عبور الخط الفاصل" ركزت على السعي العالمي الذي ينبغي أن يتابع للخلاص من العالم الأحادي القطبية الذي تمثله الولايات المتحدة الأميركية، وتأسيس عالم متعدد الأقطاب يضمن السلام العالمي بصورة أفضل؟
والإجابة على هذا السؤال تتمثل في أن تقرير الأمم المتحدة المشار إليه كشف بكل صراحة عن الظلم الفادح الذي يمثله النظام العالمي الراهن، والذي يقوم على تهميش الدول النامية وإقصاء الشعوب المكافحة في سبيل التنمية المستدامة، وتهديد مصالحها المباشرة من خلال التهديد الذي يمارسه القطب الأوحد، وهو تهديد عسكري وابتزاز سياسي في الوقت نفسه. ليس ذلك فقط بل إن هذا التقرير الخطير دعا إلى تأسيس نظام عالمي جديد يقوم على المساواة بين الدول والعدل بين الشعوب.
اكتشفت من خلال بحث أجراه أستاذ أميركي متخصص تخصصا عميقا في شؤون الصين، أن الفكر الاستراتيجي الصيني المعاصر يمتلك نظرية متكاملة عن العالم المتعدد الأقطاب الذي سيقوم حتما في الأجل المنظور، بعد أن تتم دورة الانهيار التي تمر بها الولايات المتحدة الأميركية الآن في نظر المفكرين الصينيين. وقد توصل الباحث الأميركي إلى هذه النتيجة من خلال التحليل الدقيق لكتابات أكثر من ثمانين مفكراً استراتيجياً صينياً.
وحين قرأت البحث قراءة دقيقة اكتشفت أن لدى العقل الاستراتيجي الصيني نظرية متكاملة، تحدد بدقة دائرة أولى تمثل الدول التي ستشكل العالم المتعدد الأقطاب والتي ستكون أشبه بمجل