رفض الرئيس الأميركي باراك أوباما، الحريص دوماً على بلاغته، الفكرة الزائفة القائلة بأنه "يجب على الولايات المتحدة أن تختار بين سلامتها وبين مبادئها". في عهد بوش لم يكن التعذيب غير قانوني كما كان عليه الحال في المملكة المتحدة، حيث سمح لضباط "سي. آي. إيه"، كما يقول مديرها ، بالانضمام إلى "برنامج الإرهابي مرتفع القيمة" الذي يتم التدرب فيه على ممارسة التعذيب باستخدام تلك الوسيلة البشعة المعروفة باسم" الإيهام بالغرق" للسجناء المقيدين بالأغلال، وغيرها من الوسائل الأخرى، مثل إرغام السجناء على اتخاذ أوضاع جسدية صعبة تسمى بـ"أوضاع التكدير". على هذه الخلفية وجد وزير الخارجية البريطانية الشاب نفسه مضطراً للتعامل مع القضية الصعبة المعروفة باسم قضية "بنيام محمد"، وهو الرجل الذي كان مسجوناً في معتقل جوانتانامو، والمقيم الآن في بريطانيا بعد أن عاد من المعتقل، رغم أنه مواطن إثيوبي. وبنيام محمد قبض عليه منذ سبع سنوات في باكستان للاشتباه بوجود علاقة بينه وبين تنظيم "القاعدة"، ويقول إنه تم التحقيق معه من قبل محققين أميركيين، يعملون بالتعاون مع محققين باكستانيين علقوه من معصميه ثم انهالوا عليه ضرباً، وجاء بعد ذلك ضابط بريطاني تحدث معه وقال له "إنه يجب أن يتكلم وإلا فسوف يتعرض للتعذيب على أيدي العرب"، وعندما لم يمتثل للتهديد تم تسليمه (أي اختطافه وأخذه بالقوة) من قبل ضباط أميركيين إلى سجنين في المغرب وأفغانستان. وفي المغرب تعرض للضرب مرة ثانية، كما قام المعذبون بإحداث جرح بحد الموسى في أعضائه التناسلية، وبعدها سُجن في سجن سري، ولم يسمح له برؤية محام سوى بعد ذلك بعامين. في تاريخ سابق من الشهر الحالي اتهمت محكمة عليا بريطانية كلا من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بالتغطية على الأدلة المتعلقة بقضية "بنيام محمد" وطالب محاموه المحكمة بإصدار الأوامر بالإفراج عن وثائق "سي. آي. إيه" الموجودة حالياً في أيدي وزارة الخارجية البريطانية، والتي ينتظر أن تدعم إدعاءاته العديدة المتعلقة بتورط ضباط بريطانيين في القضية. ويعتقد القاضي "لورد توماس" والقاضي "لويد جونز"، أن الإجراء الخاص بنشر اثنتين وأربعين وثيقة أميركية سرية تحتوي على" أدلة قوية" بخصوص القضية، هو "إجراء صحيح تماماً" وأن وزير الخارجية مليباند هو الذي يحول دون نشر هذه الوثائق. بناء على ذلك أرسل وزير الخارجية رده الرسمي على الإدعاء المذكور من خلال رسالة موجهة إلى صحيفة "التايمز" اللندنية في الثامن عشر من فبراير الجاري، جاء فيها: "لقد بذلنا قصارى جهدنا من أجل الإفراج عن الاثنتين والأربعين وثيقة المتعلقة بمعاملة السيد محمد خلال اعتقاله، وتسليمها إلى محاميه. كما بذلنا جهدا مماثلا من أجل الإفراج عنه وإعادته إلى المملكة المتحدة. كما تم تحويل كافة المزاعم المتعلقة بأعمال إجرامية إلى المدعي العام بالأسلوب الصحيح، وفق ما يقتضيه القانون". وباستخدام أسلوب توخى فيه أعلى درجات الحرص واصل مليباند القول في رسالته: "لقد أوضحت الولايات المتحدة لنا رأيها القائل بأن هناك ضرراً يمكن أن يلحق بالتعاون الاستخباراتي بين بلدينا إذا ما تم إفشاء معلوماتهم السرية من قبل محكمة أجنبية بدون موافقتهم، لأن هذا الإفشاء في حد ذاته ينتهك مبدأً أساسياً من مبادئ العمل الاستخباراتي، وهو الطبيعة السرية لعملية تبادل المعلومات. وعلى العموم يمكن القول إن آراءهم في هذا الخصوص تتعلق بالمحاكم والسجلات، أما نحن فقد سعينا من جانبنا للاستفادة من الحصانة التي تخولها لنا ضرورات المحافظة على مصلحتنا العامة". وفي رأيي أن مليباند، المرشح ضمنياً لاستلام قيادة حزب "العمال" بعد رحيل جوردون براون عنه، قد وضع نفسه في موضع حرج للغاية في هذه القضية، وأكاد أشك أن يكون أعضاء البرلمان من حزب "العمال" قد أعجبوا كثيراً بدفاعه عن السياسة البريطانية فيما يتعلق بهذه القضية. يدعي مليباند أيضاً أن بريطانيا: "لا تأمر بالتعذيب ولا تتغاضى عنه وإنما تدينة بلا تحفظ". لكن هناك أسئلة أخرى تتعلق بهذا الأمر وينبغي الإجابة عليها، ومنها مثلا: هل كانت الحكومة البريطانية تعرف أن شخصاً مقيماً في بريطانيا كان يعامل بهذه الطريقة؟ هل كان هناك عميل بريطاني قام فعلا بمتابعة السيد محمد في كراتشي وسُمح له بالكلام معه؟ هل النائب العام البريطاني سيقوم بمتابعة القضية أم أنها ستترك حيث هي، كما أميل إلى الاعتقاد؟ من الواضح أننا لا نعرف ما إذا ما كانت إدعاءات "بنيام محمد" العديدة صحيحة أم لا، وهل ذهب إلى أفغانستان للتدرب مع "القاعدة"، كما أشار أم لا؟ ربما يتضح في النهاية أنه رجل سيئ، لكني لا أستطيع الجزم بذلك الآن. لقد تم على مدار سبعة أعوام إعطاء انطباع مؤداه أن الحكومة البريطانية كانت تعرف جيداً أن حليفنا الأميركي كان يمارس شيئين بإفراط، هما استخدام التعذيب ضد "إرهابيين" مفترضين، والمشاركة في عدد كبير من قضايا أعمال التعذيب مع أنظمة كريهة. وأنا شخصياً ليس لديّ أدنى شك في أن رئيس الوزراء السابق توني بلير كان يحاط علماً بما يجري في هذا الخصوص أولا بأول، وأنه قد وافق على ألا يقول شيئاً بصفة علنية حول هذا الأمر سوى في أضيق نطاق ممكن كي لا يحرج الرئيس بوش. كما استطيع الزعم أيضاً في هذا السياق أنه كان هناك تواطؤ من الحكومة البريطانية مع نظيرتها الأميركية فيما يتعلق بهذا الأمر، وعلى أكثر من مستوى. التعذيب ممارسة غير مشروعة، بموجب القانون الدولي، كما أنها ممارسة خاطئة بالأساس. و"اللورد جثري"، قائد هيئة الدفاع السابق، وهو جنرال كان يحظى باحترام كبير، وقد عمل قبل ذلك في القوة الجوية الخاصة (SAS)، دعا لنسيان هذه المرحلة وإيداعها سجلات التاريخ. وهو يعتقد أن المعلومات المعطاة "كانت من النوع الذي لا يمكن الاعتماد عليه إلى حد كبير". كما يعتقد أيضاً أن "نفاقنا كان هو السبب في تحويل أعدائنا إلى التطرف، كما كان سبباً في تآكل قوتنا التي تقوم على أساس من قيمنا المعلنة"... وهو قول يمكننا جميعاً الاتفاق عليه.