في العيد الثلاثين لثورتها عادت الحكومة الإيرانية، أو البعض في هذه الحكومة، إلى نغمة إدعاءاتها حول البحرين. منذ البداية قبل أكثر من عام الآن لا تأتي التصريحات التي تحمل هذه الإدعاءات من صانعي القرار في طهران، أو من مسؤولين يشغلون مناصب سياسية كبيرة. على العكس، تأتي هذه التصريحات حتى الآن إما من مسؤولين سابقين، أو من رؤساء تحرير صحف قريبة من صانعي القرار، أو من مستشارين لبعض القيادات السياسية. آخر هذه التصريحات جاءت على لسان علي أكبر ناطق نوري، الرئيس السابق لمجلس الشورى (البرلمان)، ومستشار المرشد الأكبر علي خامنئي. حسب ما جاء في الصحف ووكالات الأنباء كان ناطق نوري قد ألقى خطاباً في مدينة مشهد. وأثناء الخطاب تطرق، فيما يبدو أنه إستدعاء لطموحات قديمة، إلى تبعية البحرين تاريخياً لإيران، وأنها كانت "المحافظة الرابعة عشرة"، إلى غير ذلك من الإشارات التي أثارت استغراب واستهجان الكثيرين في المنطقة. أمام المواقف السياسية العربية المستنكرة لمثل هذه التصريحات تقدمت قيادات إيرانية بارزة، وخاصة وزيري الخارجية والداخلية، إلى نفي ما اعتبرته مجرد ادعاءات صحفية لم ترد على لسان ناطق نوري. لم تكن هذه المرة الأولى التي تخرج فيها من إيران مثل التصريحات، أو يخرج فيها نفي رسمي إيراني لها. المسؤولون الإيرانيون يريدون من دول الخليج أن تأخذ نفيهم على محمل الجد. لكن دول الخليج مشغولة بهذا السؤال: لماذا تصدر من طهران بين الفينة والأخرى مثل هذه التصريحات، وعن أشخاص مقربين من طاقم الحكم الإيراني؟ إذا كان ناطق نوري، مثلا، يعرف يقيناً أن خامنئي يؤمن بشكل نهائي بسيادة واستقلال البحرين، وبالتالي يرفض إطلاق مواقف تتعارض مع ذلك، وتتسبب في استفزاز دول الجوار، فلماذا إذن قال ما قاله في مشهد؟ الإصرار على تذكير المنطقة من وقت لآخر بادعاءات قديمة يوحي بأن الموقف الإيراني التاريخي من البحرين لا يزال لم يحسم بعد على مستوى القيادة. لا يعني هذا أن ما يصدر من إيران حول هذا الموضوع يمثل بالضرورة إشارة إلى أن طهران سوف تتصرف قريباً على أساس من هذا الموقف التاريخي. بدلا من ذلك ربما تريد القيادة في إيران توظيف موقفها التاريخي غير المحسوم في اللعبة السياسية في المنطقة، وتريد أيضاً التذكير بأن موقفها من هذه المسألة لا يزال حياً لم يمت بعد. وهنا الإشكالية. كلام ناطق نوري، والموقف الإيراني القديم المتجدد من البحرين يعيد إلى ذاكرة المنطقة ما قاله يوماً صدام حسين عن الكويت. دول كبيرة تريد أن تستخدم دولا صغيرة لتحقيق طموحاتها السياسية بغض النظر عن حقائق التاريخ، ومقتضيات الجوار والقانون. الأسوأ أن كلام نوري ليس استكمالا لما قيل من قبل على لسان إيرانيين مثله بعد الثورة، بل استكمال لإدعاءات كانت تقال أيام الشاه. وهنا تكتمل الصورة. احتل الشاه الجزر الإماراتية الثلاث، وتصر دولة الثورة الآن على نفس الإدعاءات والتبريرات، وتعمل على تحقيق هدف الشاه نفسه أيضاً. كان الشاه يطالب بضم البحرين، والآن تخرج من داخل دولة ما بعد الثورة مواقف لأناس مقربين من صناع القرار تحاول أن تعيد الحياة إلى المطالب نفسها. كان الشاه يصر على تسمية الخليج العربي بالخليج الفارسي، ولم يتغير الأمر مع قيادة الثورة التي أطاحت بالشاه. في هذا الإطار تبدو التصريحات الإيرانية غير الرسمية حول البحرين وكأنها محاولة لتهيئة المنطقة لقبول نكوص الثورة إلى هويتها الفارسية. اللافت في هذه المواقف توقيتها. فهي تأتي في وقت يتعمق فيه تحالف إيران مع سوريا و"حزب الله" اللبناني. وبمثل تصريحات نوري تبدو إيران غير مكترثة بإحراج حلفائها في الشام. وتأتي التصريحات في وقت تكتمل فيه الاستعدادات لبدء حوار أميركي إيراني. وفي هذا الإطار تريد إيران أن تستبق الحوار برسائل إلى واشنطن. تلوح لإدارة أوباما بأنها تملك أوراقاً في المنطقة تسمح لها بالضغط على حلفاء واشنطن، وربما حتى بإثارة إشكالات سياسية تجبر الإدارة وحلفاءها على الإنشغال بها. إذا صح ذلك، تكون إيران تعيد استخدام السياسة نفسها التي عرفت بها منطقة الشام. وهي سياسة الضغط على الدول الأصغر، أو الأضعف لفرض تنازلات على دول إقليمية أكبر، أو قوى دولية عظمى. يشير السلوك الإيراني إلى أن العاصمة الفارسية تريد أن تلوح بأنها تنتظر الاعتراف لها بدور إقليمي يتناسب مع حجمها، وطموحاتها في المنطقة. مؤدى الرسالة الإيرانية أن معطيات كثيرة تغيرت في المنطقة. خروج العراق من معادلة توازنات القوة في الخليج، وبروز إيران الدولة الأقوى في المنطقة، وتحقيقها لمكاسب سياسية كبيرة في العراق، ومنطقة الشام مما أدى إلى توسع دورها ونفوذها الإقليمي. كل ذلك يعني من وجهة نظر طهران أن المواقف التقليدية إزاء دورها الإقليمي يجب أن تتغير أيضاً. أين تأتي التصريحات المتعلقة بالبحرين في هذا السياق؟ تأتي من ناحية أن التلويح من وقت لآخر بهذه الورقة يستبطن في داخله شيئا من التهديد لكل من يعنيه الأمر بأن على من يرفض الاستجابة لهذه المتغيرات وللمطالب الإيرانية أن يتذكر بأن الوضع السياسي في منطقة الخليج العربي لا يزال هشاً، ولم يستقر على حال متفق عليها إقليمياً بعد، وأن إشكالات الحدود والمطالب التاريخية لم تحسم بشكل كامل ونهائي. مما يعني أنه لا يزال هناك مجال واسع للحركة والمناورة لمن يريد أن يتحرك ويناور. بعبارة أخرى، ربما تريد طهران تذكير واشنطن بأن لديها أوراقاً إقليمية أخرى، إلى جانب الملف النووي والعراق ولبنان وسوريا. في الإطار نفسه يحقق إطلاق مواقف استفزازية من وقت لآخر عن البحرين أو غيرها هدفاً إيرانياً يتسق ويتكامل مع تلك المعطيات التي تغيرت، وهو ترسيخ فكرة أن إيران هي الآن الدولة الأقوى في الخليج العربي، وإقناع أهل المنطقة بالتعود على ذلك، وقبوله كأمر واقع. وذلك انطلاقاً من القاعدة الذهبية: الأقوى هو الذي يملك القدرة على الخطأ في حق الآخرين واستفزازهم. كيف يبدو الموقف العربي أمام التحركات الإيرانية؟ بدورها كانت البحرين تتفاوض مع إيران حول مشروع إمدادها بالغاز الإيراني. بعد التصريحات الأخيرة أعلنت المنامة أنها أوقفت هذه المفاوضات. ماذا يعني وقف المفاوضات هنا؟ هل هو وقف مؤقت؟ لماذا لم تفكر البحرين في التخلي عن فكرة المشروع جملة وتفصيلا، خاصة وأن المواقف الإيرانية ليست تعبيراً عن خلافات حدودية، وإنما تمس سيادة واستقلال البحرين كدولة، وأن هناك بدائل للغاز الإيراني كالغاز القطري والغاز السعودي؟ الموقف القطري من إيران يميل إلى نوع من الغموض. مؤخراً ترتبط الدوحة مع سوريا، حليفة إيران، بعلاقات تنسيق واضحة، وفي مواضيع تهم طهران مباشرة، وتحديداً الملف اللبناني. أقوى المواقف الخليجية التي صدرت على خلفية التصريحات الإيرانية جاءت من الكويت والسعودية. وأخيراً جاء الاجتماع الوزاري الخليجي في الرياض ليصدر عنه موقف خليجي يبدو موحداً من هذه المسألة. لكن حتى هذا جاء كموضوع أضيف إلى أجندة الاجتماع وكأنه شكّل غطاءً تعبر من خلاله دول أخرى عن موقفها، أو هكذا بدا الأمر. مع كل ما يمكن أن يقال عن الأهداف والنيات الإيرانية، تبقى حقيقة أن طهران تعمل على توظيف التراجع العربي لمصلحتها. اختارت دول مجلس التعاون بطوعها أن تكون خارج معادلة توازنات القوة في المنطقة. كان العراق هو القوة العربية الوحيدة التي حققت التوازن مع إيران خلال الثلاثة أو الأربعة عقود الماضية. ثم جاء الغزو الأميركي ليخرج العراق ويضعه مع دول المجلس خارج معادلة التوازنات الإقليمية. من هنا اختلت التوازنات بشكل فاضح لصالح إيران. تدرك إيران حالياً أنها الدولة الأقوى بين الدول الأكبر في منطقة الجزيرة العربية والخليج العربي: السعودية والعراق وإيران. يبدو وكأن إيران تطمح إلى أن تستثمر هذه المكاسب بجعل منطقة الخليج العربي ورقة تفاوضية أخرى في يدها، إلى جانب منطقة الشام. هل هذا ما يحصل حقاً؟