أسئلة الحزن تكبر في الخاطر فلا تجد مفراً من أن تبوح مشعلاً دمعتك لتجرح الخد والمشاعر، الصورة قاتمة وعلى الروح ثقيلة، وكأنك تتنفس هواء ملوثاً ومعلباً في علب بلاستيكية وتسأل إلى أين المصير؟ وما هو حال الغد والقلب كسير، تقتات منك الحسرة وتقتات أنت من فتات موائد السلطان وربما تفرح كثيراً لو تكرم عليك أحدهم بشربة ماء أو أقراص دواء.
أسئلة الحزن كثيرة تمتد على خريطة وطن كان يسمى في عالم الحلم والوهم الوطن العربي. وطن اغتيل في وضح النهار وصودرت أحلام أطفاله وترملت نساؤه، فارتدين السواد وعاشرن الحزن والسهاد. وطن إن لم تقطع أوصالَه الحربُ وآلة الدمار ففي كثير من مساحاته الممتدة بين الضلع والآخر أصبح مستباحاً لكل شذاذ الأرض وزنادقتها وتجار اللحم والوهم.
كم دولة عربية وكم مدينة على خاصرة هذا الوطن الممتد من المحيط إلى الخليج تذوب فيها النخوة العربية ويتلاشى الوجود العربي، فالوجوه إما آسيوية الملامح والثقافة وإما أوروبية الطرح والسياسة. حاول أن تمشي في بعض أزقتها التي ما عادت أزقة بل شوارع فسيحة تغتالها رائحة الأجساد البشرية لجحافل جاءت من أقصى بلاد الدنيا، بشراً حملوا عصى الترحال بحثاً عن فرصة عمل، ولهم الحق في ذلك وهو حق لا ننكره عليهم، ولكن يبقى من حقنا أن نجد فرصة عمل لفلذات أكبادنا، ويبقى من حقنا أن نحزن على ما تبقى من تراب مغسول بعرق أجسادنا، ومعجون بآهات الأجداد وحشرجة حناجرهم وهي تغني للوطن. عندها وعندها فقط تكبر في خاطرك أسئلة حائرة تقول من باع الوطن؟ وبأي ثمن؟ مِن حق مَن عرض الوطن وناسه وتاريخه ومستقبل أيامه القادمة في سوق المزادات والمزايدات العربية؟
ماذا لو طار الختيار من فوق كرسيه ونفذ شارون تهديده ووعيده وضم الختيار إلى قائمة من نحرهم بصواريخه وقتلهم برصاصات غدره وسحلهم بجنازير دباباته؟ هل ستموت القضية؟ أم سيموت رعباً لا خجلاً كل القابعين على كراسيهم وكل المعتقدين أنهم في حماية القوة الأعظم وأنهم من السحل ناجون وعلى الكراسي إلى أبد الدهر قاعدون.
ماذا لو أدارت لهم القوة الأعظم ظهر المِجن وتركتهم في عراء السياسة بدون ورقة التوت، تعصف بهم ريح تقتلعهم لترميهم في غياهب حقيقة خيانتهم أو قل ولائهم الذي لا يمكن التشكيك فيه؟
ماذا لو تسرب اليأس والقنوط إلى نفوس أجيال من شبيبة العرب وقرروا الانتقام لكرامة كل شهيد سال دمه الزكي على التراب في قضية أصبح التنازل عن فكرتها ومطالبها حلماً لبعض القيادات العربية؟
ماذا لو حرك اليأس جموع الشباب وتلقفتهم أيديولوجيات قادرة على العزف على وتر الدين وصنعت منهم قنابل موقوتة مزروعة في كل شبر من الوطن، قنابل تتفجر حقداً وكرهاً وترسل حمماً وشظايا لتحصد أرواح الأبرياء. ونسأل من حوّل شاباً مهندساً أو طبيباً إلى حاقد موتور يلبس حزاماً ناسفاً ويفجر نفسه في حافلة تقل أطفالاً صغاراً لا زالوا يغنون للفجر الوليد، وهم يمضغون أول لقمة من إفطار الصباح الملفوف بورقة رسم عليها الدم خريطة للحزن والموت والفجيعة؟ من حوّل طبيبة وعالمة إلى مشروع للشهادة حسب رؤية البعض أو مشروع للموت ومشروع لتسجيل موقف احتجاج مكتوب بالدم، وبأشلاء اللحم المحروق في الحافلة أو مدخل الفندق؟ أليس اليأس وصور الفساد وموت الضمير وخواء الضمائر وبيع الوطن وتأجير ترابه قواعد ومطارات وفتح الخزائن للراقصات والعابثين، أليست فكرة الإحساس بالظلم وانتهاك حرمة الإنسان وانتهاك شريعة الحفاظ على المكتسبات وتكبير الكروش سبباً كافياً لأن يتحول جيل الشباب العربي إلى مشاريع للحقد والألم والإحساس بالظلم وتلاشي الأمل في نهاية نفق مظلم قد لا يؤدي إلى سبيل؟
اليأس هو ذات اليأس الذي قاد زعيماً عربياً لأن يدفع بشعبه بأكمله إلى أتون نار حارقة وحرب طاحنة خلفت دماراً ومعاقين، ووطناً يسقط جريحاً تحت ضربات القنابل الضخمة والنووية، وطن استبيح تاريخه وانتهكت حرمات جغرافيته ومس شرف أهله، لأن يأساً أشعل الفتيل فدفع الشعب إلى المحرقة ليكون حطباً ووقوداً بسخامه سيكتب التاريخ مجزرة موت شعب وانتحار وطن؟ ألم يكن اليأس هو ما دفع قائداً مثل هتلر مثلاً ليصاب بمس من جنون العظمة ويحرق شعباً ويدمر أرضاً ويشعل حرباً؟ أليس اليأس وفقدان الأمل بالغد والفقر الذي يحاصر معظم سكان الوطن العربي هو الفتيل المشتعل لتنامي ظاهرة العنف الدموي عند الشباب وتحولهم إلى عصابات تمتهن القتل والتدمير؟
أليس من المجدي أن نتوقف ولو لبضع دقائق لإعادة الحسابات وجدولة المعطيات والبحث بشكل جاد لمعرفة الأسباب الحقيقية الكامنة وراء موجة العنف والقتل والتدمير التي يتبناها شباب في عمر الزهور يقدمون حياتهم على مذابح الفكر وأطروحات واهمة بعد أن يتم استغلالهم من قبل جماعات تفننت في أساليب الإقناع وطرق غسل الدماغ واستثمار العاطفة الدينية لتأليب جموع الشباب وتقديمهم قرابين لأفكار إن تحققت فإنها تحمل في طياتها مشروعاً متكاملاً للقضاء على ما تبقى من هذه الأمة. ونسأل من غرس كل هذا الحقد في نفوس الشبيبة وح