منذ نحو 5 أشهر، تلقى كولن باول جائزة تحمل على سبيل التكريم اسم جورج مارشال، وهو جنرال عسكري أميركي آخر أصبح في وقت لاحق وزيراً للخارجية. وقد أشار باول، قبل ذلك الحدث إلى أنه يرغب في أن يخص صحيفة "واشنطن بوست" بمقابلة معه، وطلب من مراسل الصحيفة المذكورة أن يقوم مسبقاً بذكر حدثين من أحداث حياة مارشال المهنية. ويتعلق الحدث الأول بتخلف الرئيس الأسبق فرانكلين روزفلت عن تعيين مارشال في منصب القائد المسؤول عن اليوم المحدد للقيام بغزو عسكري. وقال باول في المقابلة "إن مارشال، بغض النظر عن خيبة الأمل التي شعر بها حيال ذلك، قد ابتلع الأمر وسكت. لقد كانت خدمة الأمة هي محور كل شيء".
أما الحدث الثاني فمعني باعتراضات مارشال الشديدة على اعتراف الرئيس هاري ترومان بدولة إسرائيل، وباتخاذ مارشال قراراً بعدم بث تلك الاعتراضات على الملأ. وقال باول "أرى أن أي شخص مرؤوس سيقوم بتكييف نفسه وفقاً لرغبات رؤسائه". فهذا هو المحور الذي تدور حوله خدمة هذه الأمة. وهكذا يبتلع المرؤوس الأمر بكل بساطة ويقبل به مهما تكن خيبة الأمل التي يشعر بها.
بهذه العبارات الموجزة القليلة، برهن باول من جهة أولى على أنه معجب بولاء جورج مارشال، وألمح أيضاً وبقوة إلى أنه- مثل مارشال- يختلف في الرأي مع رئيسه.
فهل كولن باول إذاً مطيع ذو ولاء؟ وهل يقوم هكذا بكل بساطة بـ"الخدمة"- و"ابتلاع الأمر" فيتقبّله دون اعتراض- أم أنه أيضاً يريد منا أن نعلم أنه سيكون مختلفاً لو أنه كان في موقع المسؤولية؟ هذا سؤال يثور مرة أخرى هذا الأسبوع، مع نشر كتاب الصحفي بوب وودورد الذي حمل عنوان "خطة الهجوم" والذي يحلل قرار إدارة بوش بخوض الحرب العراقية. وقد أثبت باول أنه قام بدور واحد من مصادر الكتاب؛ وفي الواقع أن بعض مشاهد الكتاب- ومنها الإفادات التي تحكي عن كيفية محاولة باول إقناع الرئيس بوش بالعدول عن الاندفاع نحو الحرب- يبدو أنها آتية من باول نفسه. ذلك أن باول قد أعلن الآن أنه "ملتزم كأي شخص غيره" بالحرب. لكن فحوى التسريب الأصلي واضحة شأنها شأن فحوى المقابلة التي دارت حول تلقيه جائزة جورج مارشال. فها هو باول مرة أخرى يحاول تحقيق الفائدة من حالتين متناقضتين، وهو ما يشكل صورة لا تتصف بالجاذبية. فمن المؤكد أن الولاء الصادق لا يعني فقط أن يبتلع المرء كبرياءه عندما يختلف في الرأي مع قائده القائد الأعلى، بل يعني أيضاً التزامه الصمت حول الأمر، على أقل تقدير في فترة وجوده في منصبه.
ثم إن الأمر لا يتمحور فقط حول تعريفات الولاء. ومن سوء الحظ أن مشاعر باول المختلطة لها عواقب أكثر عمقاً من ذلك. فليس هناك شك في أن باول يستطيع عندما يشاء أن يدافع في الخارج عن سياسات الرئيس بقدر من البلاغة والفصاحة لا يتسنى لأحد غيره في الإدارة الأميركية. ففي شتاء عام 2002، وإثر خطاب بوش الذي أطلق فيه مبدأ "محور الشر"، ظهر وزير الخارجية باول على نحو مفاجئ في كل الصحافة الأوروبية. وفي مقابلة أجرتها معه صحيفة فاينانشال تايمز وتكشفت فيها براعته، قلّل باول من شأن الانتقادات الصادرة عن مفوض الشوؤن الخارجية في الاتحاد الأوروبي، وكذلك من شأن الانتقادات الصادرة عن وزير الخارجية الفرنسي. وعلى الطرف المقابل من الطيف السياسي، أوحى باول إلى صحيفة ديلي تلغراف البريطانية بنشر عنوان مثير مطنب يقول "نحن الأميركيين نعرف كيف ننفذ عملاً عندما نُعمل تفكيرنا فيه".
وفي خريف عام 2002، أي عندما كان بوش يدفع "الحل الدبلوماسي" المفضل لدى باول من أجل حل المشكلة العراقية لدى الأمم المتحدة، غاب وزير الخارجية هذا عن الأنظار فلم يره آنذاك أحد. وفي فترة الحشد والتحضير لحرب الخليج عام 1991، قضى وزير الخارجية آنذاك جيمس بيكر أسابيع من وقته في أوروبا والشرق الأوسط، وشمل ذلك معظم أيام شهر نوفمبر من عام 1990. لكن باول على النقيض من ذلك ذهب مرة واحدة فقط إلى أوروبا في خريف عام 2002 لحضور قمة الناتو التي انعقدت في مدينة براغ، ثم ذهب في رحلات قصيرة ومختصرة جداً في ربيع العام التالي 2003.
والأهم من ذلك أن باول لم يلعب الدور الذي كان في مقدوره أن يلعبه في وسائل الإعلام الأوروبية في سياق الدفاع عن القرار المتخذ بشن الحرب في العراق. ويكاد ذلك لا يكون أمراً مفاجئاً ولا مثيراً للدهشة، لأن باول كان معارضاً لذلك القرار، وهو لم يشعر أبداً بالخجل والحرج من إخبارنا بذلك. ولكانت معارضته لقرار الحرب ستتصف بالشرعية التامة بطبيعة الحال لو أنه كان مواطناً عادياً، مثلاً، أو حتى عضواً في الكونغرس الأميركي. لكن باعتبار أنه كان وزيراً للخارجية، وباعتبار أن نصف ولائه تسبب في إحداث مزيد من التقويض لدبلوماسية إدارة أميركية كانت ميّالة سلفاً إلى السخرية من آراء الأجانب غير الأميركيين، فإن باول قد واصل فعل ذلك في السنة التي تم فيها شن الحرب في العراق.
ليس في كل ذلك شيء يعني أن باول يتحمل كل اللوم والمسؤولية، وحده أو حتى مع غيره، عن كل الأخطاء التي تم ارتكابها في العراق.