مع تنصيب الرئيس أوباما يكون النظام السياسي الأميركي قد أكمل الدائرة، وقام بتدوير الزوايا، وتكون أميركا قد تجاوزت مرحلة ما بعد الخلافات العرقية والتمييز العنصري الذي أبقى على مدى أجيال سقفاً زجاجياً مانعاً أمام الأقليات وبالأخص الأميركيين من أصول أفريقية الذين جعلهم محرومين من الكثير من الحقوق الدستورية، إلى درجة أن أوباما كان ثالث سيناتور، وأول رئيس أسود في التاريخ السياسي والاجتماعي الأميركي، الذي ظل الأميركيون مع ذلك يفاخرون بتسامحه وعلو كعبه في المساواة بين المواطنين داخل مجتمعهم المتسامح. وكذلك تكون أميركا قد أثبتت مرة أخرى بهذا الحدث جدارة نموذجها السياسي والاجتماعي في مقابل أقرانه في الغرب من حيث التعايش بين الأعراق، ونجاح أقليتها السوداء في أن تصل الى أعلى منصب سياسي في البلاد، وهو ما يبدو أن الأوروبيين غير مستعدين لمثله حتى اليوم. وبعد الاحتفاء باستلام السلطة التاريخي تبدأ تعقيدات الواقع المرير. والبداية طبعاً بتمرير الكونجرس لحزمة الحوافز المالية بقمية 819 بليون دولار، وسعي أوباما لاستقطاب "الجمهوريين" للانضمام إلى مساعيه لتحفيز الاقتصاد ومن ثم منع خسارة أكثر من 3 ملايين وظيفة، بالإضافة إلى توفير تأمين صحي لعامة الأميركيين حيث يصل عدد من لا يملكون تأمينا ًصحياً أكثر من 45 مليون أميركي، ثم يأتي دور تطوير مناهج التعليم... وقائمة المهام الأخرى طويلة. وهناك أيضاً استحقاقات التعهد بسحب القوات الأميركية من العراق خلال 16 شهراً، ومضاعفة عديد القوات في أفغانستان التي تخوض أميركا فيها حرباً للعام التاسع على التوالي، والتي يعترف وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس بأنه: "لا يوجد أدنى شك في أن أكبر تحدٍّ عسكري بالنسبة للولايات المتحدة هو في أفغانستان". ويوافق الرئيس الجديد على هذا الطرح دون شك، حيث يؤمن أوباما بأن أفغانستان هي الجبهة الرئيسة في مكافحة الإرهاب، ولذا يريد أن يسحب القوات الأميركية من العراق ليضاعف العدد في أفغانستان ليصل إلى 60 ألف جندي. ولكن ربما يلزم لفت الانتباه هنا إلى أن تهديد أوباما بقصف مواقع داخل باكستان تؤوي جماعات "القاعدة" هو استمرار لنهج بوش أكثر من كونه نهجاً جديداً للتغيير الذي ظل يتحدث عنه، فالاستباق في ضرب الإرهابيين ليس -كما ظل يكرر- طريقة لـ"التغيير"، ولا هو "الدبلوماسية الذكية" التي تتحدث عنها الآن وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون. هذا طبعاً دون نسيان أدبيات أخرى من قبيل حديث أوباما المتكرر عن ضرورة الجلوس والحوار مع الخصوم، وحديث سوزان رايس (اسم جديد سنعتاد عليه كثيراً) السفيرة الأميركية الجديدة في الأمم المتحدة عن "دبلوماسية الحوار المباشر". ومع ذلك فإن هذا لا يغير شيئاً من مصداقية طمأنة أوباما للمسلمين في مقابلته مع "العربية" حين أكد أن: "أميركا ليست عدوكم"، وقد شكلت تصريحاته تلك نقلة سياسية نوعية تُحسب للرجل على طريق تصالح بلاده مع العالم الإسلامي، لتجاوز تركة بوش وحروبه "الصليبية" وحديثه المتحامل عما سماه "الإسلام الفاشي". وهذا النفَس العقلاني الجديد هو المتوقع استمراره بعد تشكيل أوباما لفريقه من الواقعيين الجدد والواقعيين التقليديين من الوزراء والمستشارين والمبعوثين المحنكين من أمثال جورج ميتشل وريتشارد هولبروك. وهو فريق تطغى عليه عموماً وجوه من إدارة الرئيس كلينتون وعلى رأسهم زوجته نفسها. وشيئاً فشيئاً ستتبلور معالم مواقف أوباما، ويبدو أن التغيير سيشمل الكثير من القضايا والمناطق والمفاهيم، مع ثبات ومحدودية تحول في المقاربة الخاصة بقضايانا المهمة في الشرق الأوسط وخاصة في ما يتعلق بالصراع العربي/ الإسرائيلي. ويأمل الأميركيون اليوم أن ينجح أوباما في إنقاذ بلادهم من حالة فقدان الثقة السائدة في المستقبل، ومن الكارثة الاقتصادية التي يتكشف كل يوم عمقها وفداحتها. ناهيك عن الحربين على العراق وعلى أفغانستان، والمواجهة المفتوحة فيما أسمته إدارة بوش "الحرب على الإرهاب". إنها تحديات عديدة ومتشعبة في الداخل والخارج تواجه الرئيس الأميركي الجديد، وصراع مفتوح للإمساك بزمام الأمور مع ثقل إرث بوش على جميع الأصعدة، بالإضافة إلى تحديات الوفاء بالوعود الصعبة التي قطعها أوباما على نفسه خلال حملته الانتخابية. ومع أنه بدأ بداية موفقة بوعده بإغلاق معتقل جوانتانامو خلال عام، إلا أن علينا أن نكون حذرين لأن تدوير الزوايا، في فن السياسة، ليس بالأمر البسيط كما يعلم الجميع. ورهان الامتحان الحقيقي سيكون بالنتائج والأفعال وليس بالأماني والأقوال.