يعود إلينا عالم السياسة البارز صامويل هنتنغتون من خلال دراسة حديثة تصدر قريباً حول أميركا والأميركيين، ويناقش الكتاب المعنون "من نحن؟" التحديات التي تتناول الهوية الأميركية في الفترة القادمة. ومن المتوقع أن يثير هذا الكتاب ضجة في المحيط الفكري والسياسي شأنه شأن كتاب هنتنغتون الماضي حول صراع الحضارات. وأفكار هنتنغتون الجديدة بدأت تبرز من خلال مقالين للكاتب في دورية The National Interest ودورية Foreign Policy، وهذه على ما يبدو عادة الكاتب والذي طرح نظرية صدام الحضارات في مقالة معروفة عام 1993 مهدت لكتابه والذي حمل العنوان نفسه عام 1996. والإشارات الأولية أن غزوة الكاتب هذه المرة ستكون ساخنة والجدل حولها محتدماً وبمستوى طرحه حول صراع الحضارات، ويبقى الفارق أن الأطراف الرئيسية هذه المرة، وفي اعتقادي، ستكون أطرافاً أميركية موزعة أثنياً وأيديولوجياً في مواجهة فرضيات الكاتب.
هنتنغتون يطرح مجموعة من الملاحظات التي تقع تحت مظلة تعريف الهوية الأميركية في القرن الجديد، ولا شك أن تطورات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر تؤثر، وبعمق، في رؤية أميركا لنفسها، فكارثة سبتمبر من الأحداث الفارقة. وهنتنغتون، على ما يبدو، متخوف من أن المشترك في تجربة أميركا الاندماجية يعاني من تحديات وتصدعات لابد من التعامل معها، فالعديد من القيم والرموز مهددة ومن ضمنها نموذج الآباء المؤسسين وقيم العمل البروتستانتية والأصول الأوروبية البيضاء والتي شكلت أسس الهوية الأميركية تاريخياً. وهذا الطرح السلفي يرى أن التجربة أصبحت مهددة في ظل صعوبة النجاح في صهر الجيوش الكبيرة من المهاجرين في بوتقة أميركية، وبالتالي فالقدرة على استيعاب المهاجرين الجدد وخلق شيء أميركي منهم ومن ثقافتهم أصبح من العقبات التي تهدد جذور الهوية نفسها، ولا شك أن مثل هذا الطرح قريب جداً من الشوفينية والعنصرية وهي بعض الاتهامات التي سيواجهها هنتنغتون خلال الفترة القادمة، بل ولابد أن نشير إلى أن مقاله في Foreign Policy والذي يناقش فيه التحدي الذي يشكله الوجود اللاتيني والمكسيكي والمعروف بـ"الهسباني" بدأ الخلاف حول فرضيات الكاتب. فهنتنغتون يلاحظ صعوبة انصهار هذه الأقلية الأعظم في المجتمع الأميركي مما يقوض من أسس الهوية الأميركية التي يبتغيها والتي تشمل في تقييمه اللغة الإنجليزية والقيم البروتستانتية، فهو يرى خطر بروز مجتمعين وثقافتين ولغتين على المدى البعيد خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم الوجود اللاتيني والمكسيكي ونسب نموه العالية، ودعماً لرأيه نرى الاستخدام الكبير للأرقام والإحصائيات وأكثر من مجموعة من الإشارات لعاصمة الولايات المتحدة الإسبانية ميامي.
ومن القضايا الأخرى المتعلقة بمبحث المؤلف، يطرح هنتنغتون ملاحظات مهمة حول الهوة بين ما تريده الصفوة وما يريده الشارع في الولايات المتحدة، ووجود مثل هذه الهوة ليس بالظاهرة الأميركية الصرفة بل إنها في العديد من بقاع العالم، والهوة اليوم أكبر والفارق شاسع بين صفوة أكثر عالمية في نظرتها والسياسات التي تحبذها وشارع أكثر وطنية أو قومية ونظرته أكثر ضيقاً في السياسات التي يؤيدها، والعلاقة هنا مرتبطة بالهوية الوطنية وصورة أميركا عن نفسها وبالتالي موقعها في هذا العالم.
مساهمة صاحب كتاب صراع الحضارات الجديدة تضعه ضمن مفكري اليمين الأميركي المتطرف، وهو موقع غريب بعض الشيء لهذا العلم المميز من أعلام العلوم السياسية. وهو حصيلة تطور، إن صح التعبير، للمسار الفكري لهذا العالم البارز، وهو مسار لا شك تأثر بانهيار الحرب الباردة وبأحداث كارثة سبتمبر 2001 الإرهابية.
الجدل الأساسي حول الكتاب القادم، وأنا لم أطلع بعد على الكتاب، ولكنني اطلعت على المقالات، سيكون في الغالب جدلاً أميركياً، وقد تكون هذه الفرصة السانحة للوجود الإسباني كي يعبر عن وزنه ونضجه من خلال المساهمة الإيجابية في الحوار الدائر وشكل الهوية الأميركية القادم، ولا شك أنه سيكون عودة جديدة لطرح هنتنغتون السابق حول صدام الحضارات. والواضح أننا ونحن في بدايات القرن الجديد نجد أن القوة الأعظم في العالم تريد أن تعرف المزيد عن نفسها وعن هويتها وعن طبيعة التحديات التي ستواجهها.