لولا فتح باب الاجتهاد، والشعور بوجوده وضرورة استمراره وتجدده وتعمقه ما كان يمكن الحديث عن نهضة بعد قعود، وصحوة بعد نوم، وتجديد بعد تجميد، وإحياء بعد احتضار. والاجتهاد لغة هو "بذل الوسع في طلب المقصود"، واصطلاحاً هو "استفراغ الفقيه الوسع ليحصل له ظن بقضية أو حكم فقهي"، والاجتهاد يرومه غير المقلد الذي "يأخذ بمذهب غيره دون دليل". وقد اتكأ الاجتهاد في البداية على القياس على القرآن الكريم والسنة النبوية، ثم أخد خطوة إلى الأمام بإضافة "الإجماع" إلى ما يستند عليه، وهي نقلة نوعية في نظر الفقهاء ترفع عن الاجتهاد الظن، وتزيل عنه الخطأ، وتمنحه العصمة، حال اتفاق المسلمين جميعاً عليه. لكن الاجتهاد لم يلبث أن ضاق على يد بعض الفقهاء، ليصبح من اختصاص أولئك الذين لهم الحق في تقرير أحكام يأخذ بها غيرهم. وقد بلغ الاجتهاد ذروته مع أصحاب المذاهب الأربعة، مالك بن أنس وأبي حنيفة النعمان وأحمد بن حنبل والشافعي، الذين أدلوا في كل المسائل المعروضة عليهم بآراء تعتمد على القرآن والسنة والإجماع والقياس والاستحسان والاستصحاب... الخ، فاتحين باب الاجتهاد على مصراعيه. لكن الذين جاءوا بعدهم وقفوا عندهم، ولم يفعلوا شيئاً سوى تقليدهم، أو تقدموا خطوة قليلة من خلال إنتاج الفتوى في مسائل عصرية اعتماداً على فقه المذاهب الأربعة، الذي وعوه عن ظهر قلب. لكن هذا لم يرق للمتكلمين الذين اعتقدوا أن الإنسان لا يصل بالتقليد إلى إيمان منج. ثم شهدت القرون المتعاقبة من سعى إلى كسر الجمود والخروج على التقليد، متخففاً مما أنتجه من سبقه، وذاهباً مباشرة إلى النص القرآني والحديث الصحيح، ومن بين هؤلاء ابن تيمية المتوفي سنة 728 هـ، والسيوطي المتوفي سنة 911 هـ، الذي لقب بمجدد عصره، وكان يعتقد أن كل عصر لابد له من مجدد في فقه الدين. ويقوم الاجتهاد في رأي الفقهاء القدامى على دعامتين، الأولى هي القياس، والثانية هي المصالح المرسلة. والقياس هو أحد المداخل الأساسية للاجتهاد في نظر كثيرين من الفقهاء، وفي مقدمتهم الإمام القرافي، حيث جادوا بنموذج متكامل الأسس والمقومات لكيفية اتخاذ هذا الأسلوب قاعدة للسياسة الشرعية، عبر أمور ثلاثة، هي: أ ـ جوهر منهاج القياس هو تبدل الأحكام، وتغير العمل بها، بتبدل الأحوال والأزمان، دوراناً لتلك الأحكام حسب تبدل مناطها. ب ـ ضيق الحال يستوجب التوسعة، ويضفي المشروعية في حالة الضرورة والاضطرار على الأحكام الشرعية في المجالات كافة. ج ـ الأخذ بمسألة تغير بالعادات والأعراف، وهذا يعد من قبيل تغير مناط الحكم بما علق على استيفائه من عادات وأعراف. ومن هنا فإن الاجتهاد المتكئ على القياس يدور حول تبدل الأحكام وتغير والعمل بها بتغير الأحوال والأزمان حسب تغير مناطها، وكذلك تغير الأعراف والعادات. ويرى الإمام أبو حامد الغزالي أن الاجتهاد يختلف عن القياس في أن الأول أعم من الثاني، لأنه قد يكون بالنظر في العموميات، ودقائق الألفاظ، وسائر طرق الأدلة سوى القياس، وبهذا يكون الاجتهاد شاملًا القياس وليس العكس. ويحدد الغزالي شروط الاجتهاد في الإسلام والعدالة ومعرفة آيات الأحكام في القرآن الكريم، ومعرفة الأحاديث المتعلقة بالأحكام، ومعرفة الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، ومعرفة مسائل الإجماع، وعلم أصول الفقه، ومعرفة لسان العرب. ولخص الشاطبي هذه الشروط في فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والتمكن من الاستنباط بناء على هذا الفهم. وتستدعي حيازة فلسفة الاجتهاد، كما يقول الجويني: "نخل الشريعة من مطلعها إلى مقطعها، وتتبع مصادرها ومواردها، واختصاص معاقدها وقواعدها، وإنعام النظر في أصولها وفصولها، ومعرفة فروعها وينبوعها، والاحتواء على مداركها ومسالكها، واستبانة كلياتها وجزئياتها، والاطلاع على معالمها ومناظمها، والإحاطة بمبدئها ومنشئها، وطرق تشعبها وترتبها، ومساقها ومذاقها، وسبب اتفاق العلماء وإطباقها، وعلى اختلافها وافتراقها". أما المصالح المرسلة فهي أوسع من القياس، لأن كل قياس يراعي المصلحة، لكن ليس كل مراعاة للمصلحة تمر حتماً بالقياس. وهذا النوع من الاجتهاد ينصرف إلى وجود حكم شرعي لما لا نص فيه، ويقوم بالأساس على فهم روح الدين ومقصده. فالله سبحانه وتعالى بعث رسله لتحصيل مصالح عباده في الآخرة والدنيا، ومن ثم فإننا حين نجد مصلحة يغلب على الظن أنها مطلوبة للشرع. ويحدد الفقهاء مراتب المجتهدين في ثلاث، الأولى هي مرتبة المجتهد المطلق، وهو الذي يستنبط الأحكام من القرآن والسنة مباشرة، والثانية هي مرتبة مجتهد المذهب وهو من يستنبط من قواعد إمام مذهبه، أما الثالثة فهي مرتبة مجتهد الفتوى وهو المقتدر على الترجيح في أقوال إمام مذهبه. وهناك من يتوسع في معنى الاجتهاد ليجعل منه منطقاً نقدياً وتجاوزياً للماضوية، إذ ينظر إلى التراث ليس للاستغراق فيه، والانغلاق عليه، أو الاكتفاء به، والانقطاع له، بل يستهلمه ويهضمه ويستوعبه ويتجاوزه، من دون إهماله ورفضه وممارسة قطيعة معه. وهذا الطور من الاجتهاد يتحرر من الفهم الأحادي للمعرفة الدينية والشرعية والفكرية بمفاهيمها وتصوراتها وأصولها، ويتخلص من الفهم الجامد الذي ينفر من التطور والتغير والتجدد، ويعترف بحق الآخرين في الاختلاف، مقراً بمبدأ التعدد والتنوع في الرأي، ومتكيفاً مع هذا من دون مجافاة ولا ممانعة ولا مصادمة. ويقوم كل هذا على مبدأ إعمال العقل، ومنحه أقصى درجة فاعلية لاستفراغ الوسع، وبذل أعلى مستويات الجهد الفكري والعلمي والمنهجي، وفتح الباب أمام جميع الناس ليتدبروا في آيات الله وشريعته. ويعبر الإمام محمد عبده عن هذا الأمر بقوله: "رفع الإسلام بكتابه المُنزل ما كان قد وضعه رؤساء الأديان من الحجْر على عقول المتدينين في فهم الكتب السماوية، استئثاراً من أولئك الرؤساء يحق الفهم لأنفسهم، وضناً به على كل من لم يلبس لباسهم، ولم يسلك مسلكهم لنيل تلك الرتبة المقدسة، ففرضوا على العامة، أو أباحوا لهم أن يقرؤوا قطعاً من تلك الكتب، لكن على شريطة ألا يفهموها ولا أن يطيلوا أنظارهم إلى ما ترمي إليه، ثم غالوا في ذلك فحرموا أنفسهم أيضاً مزية الفهم إلا قليلاً، ورموا عقولهم بالقصور عن إدراك ما جاء في الشرائع والنبوات، ووقفوا بالناس عند تلاوة الألفاظ تعبداً بالأصوات والحروف، فذهبوا بحكمة الإرسال.. وجاء القرآن يلبسهم عار ما فعلوا.. وبهذا التفريغ ونحوه، وبالدعوة العامة إلى الفهم وتمحيص الألباب للتفقه واليقين، مما هو منتشر في القرآن العزيز، فرض الإسلام على كل ذي دين أن يأخذ بحظه من علم ما أودع الله في كتبه، وما قرره في شرعه، وجعل الناس في ذلك سواء بعد استيفاء الشرط بإعداد ما لابد منه للفهم، وهو سهل المنال على الجمهور الأعظم، من المتدينين، لا تختص به طبقة من الطبقات، ولا يحتكر مزيته وقت من الأوقات". وهناك من يذهب إلى مد الاجتهاد إلى درجة "الإبداع" حتى ولو بدا هذا في نظر كثيرين نوعاً من "الابتداع" و"الإحداث في الدين"، حيث يعتبر من لوازم الإبداع الإعراض عن المعلومات التراثية المتوارثة المألوفة، أو عدم تقبلها إلا بعد إخضاعها للنقد الصارم، فلا تقبل إلا ببرهان مبين، وكذلك عدم الجمود أو التحجر أو شدة التمسك برأي مسبق، بسبب عوامل غير حقانية، وغير موضوعية. ومهما كان الخلاف حول نطاق الاجتهاد ضيقاً واتساعاً، تخصصاً أو مشاعاً، فإنه في كل الأحول ضرورة لأي حديث يقال، وأي تصور يبنى، وأي تصرف في سبيل النهضة والإصلاح.