كان من الطبيعي أن يأخذ قانون الأنشطة الإعلامية الذي أقره المجلس الوطني الاتحادي ذلك الاهتمام الإعلامي واهتمام المعنيين بالأمر، لأنه بإقرار ذلك القانون سيكون الأساس الذي سينطلق منه كل العمل الإعلامي والصحفي خلال السنوات القادمة كما أنه سيكون الأداة التي ستتم من خلالها محاسبة ومراقبة الإنتاج الإعلامي سواء كان مكتوباً أو مرئياً أو مسموعاً. وقبل تعليقنا على القانون لا يمكن إلا أن نشيد بالجهد الذي بذل لإيجاد هذا القانون فمن الواضح أن المجلس الوطني للإعلام اجتهد وعمل كثيراً من أجل الوصول إلى هذه الصيغة النهائية للقانون التي قد يراها البعض جيدة... ولكن الحقيقة أنه لا يوجد جهد كامل بل مهما اجتهد الإنسان وحاول أن يتقن عمله فلا بد أن يكون ناقصاً لأنه عملٌ من صنع البشر. قانون الأنشطة الإعلامية ظهر إلى النور أول مرة عندما نشرته إحدى الصحف المحلية منذ عدة أشهر وكان القانون مفاجئاً للوسط الصحفي من حيث وجوده ومن حيث محتوياته وبعد نشره مباشرة والإطلاع على تفاصيله قام بعض الصحفيين ومن خلال جمعيتهم بوضع ملاحظات عليه وكانت ردة فعل المجلس الوطني للإعلام في غاية الإيجابية... فبعد أن سلم الصحفيون ملاحظاتهم وصل القانون إلى المجلس الوطني الاتحادي متمثلا في لجنة التربية والتعليم والإعلام والثقافة التي قامت مشكورة بالالتقاء ببعض رؤساء التحرير والأكاديميين وبممثل من جمعية الصحفيين واستلمت ملاحظات الحاضرين وصار القانون في عهدة المجلس الوطني الاتحادي وانتظر الجميع يوم الجلسة التي سيناقش فيها القانون لمعرفة ما إن كان سيتم إقراره كما جاء من الحكومة أو يعدل أو يرفض. لذلك لم يتكلم الصحفيون طوال الوقت الماضي على أمل أن تؤخذ ملاحظاتهم بعين الاعتبار وأن يشهد القانون تعديل ما يراه الصحفيون ملائماً لمهنتهم، وليس مصلحتهم، ومسهلًا لعملهم اليومي، لا أن يسير من تسلم رأي الصحفيين والمختصين على مبدأ "شاوروهن وخالفوهن"! المفاجأة كانت في الجلسة الأخيرة يوم الثلاثاء 20 يناير 2009 والتي تم فيها إقرار قانون الأنشطة الإعلامية حيث خلا القانون المعدل من الملاحظات الجوهرية التي قدمتها جمعية الصحفيين واكتفى بالملاحظات الشكلية مما شكّل صدمة للوسط الصحفي، والصدمة الأكبر كانت من موقف بعض أعضاء المجلس الوطني الاتحادي الذين رأوا أن القانون بحاجة إلى تشديد أكثر! من خلال عملي في الصحافة يمكنني أن أؤكد أن صحافة الإمارات "صحافة مسؤولة" بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى وأن القائمين على الصحف أشخاص يعرفون تماماً ما يكتب وما ينشر وما لا ينشر سواء في ظل القانون الجديد أو القانون السابق، فالمسؤولية الصحفية لا تحددها كلمات مصفوفة في قانون وإنما هي مسؤولية يمارسها الصحفي كل يوم وكل لحظة حتى في حالة عدم وجود قانون وذلك من منطلق حسه الوطني. إذن أين المشكلة في القانون؟ الإجابة أن المشكلة تكمن في أن هذا القانون يحتوي على مواد وألفاظ ستحد من عمل الصحفي وستقيد إبداعه ورغبته في أن يعكس الصورة الحقيقية للمجتمع والبلد وستجعل الصحفي يعمل وهو يشعر بأن هناك سيفا مسلطا على رقبته في حين يفترض أن يكون القانون بمثابة المصباح الذي ينير له الطريق ويرشده إلى السير بشكل أفضل وبطريقة أقل خطورة على نفسه ومهنته وعلى المجتمع. لا أحد يستطيع أن يقول إن هذا القانون جيد للصحفيين وللعمل الصحفي أو أنه سيئ ومقيد غير الصحفيين أنفسهم ومن يعمل في مجال الصحافة ويواجه المتاعب اليومية في عمله، لذا فإننا نعذر كل من لم يشعر بأصحاب هذه المهنة، كما أننا نشكر ونقدر كل من شعر بأصحاب مهنة المتاعب وطالب بأن يكون القانون أكثر مرونة. لا أحد من الصحفيين يسعى إلى قانون يحمي الصحفي حتى وإن أخطأ فنحن نقول دائما إن المخطئ يجب أن يأخذ جزاءه كاملا فمهنتنا حساسة ويجب أن لا يستغلها أي شخص. من يعيش في الإمارات يلاحظ أن الجميع يسعى إلى التطور والتقدم والتميز كل في مجاله والصحافة في الإمارات شأنها شأن باقي القطاعات تريد أن تتقدم خطوة إلى الأمام لا أن تبقى واقفة في مكانها ولا أن تتراجع إلى الوراء وبالتالي فمن المهم جداً أن يكون القانون الجديد أفضل بكثير من السابق. اعتقد أننا اليوم بحاجة إلى تضافر الجهود سواء في الوسط الصحفي أو جمعية الصحفيين أو المجلس الوطني للإعلام أو المجلس الوطني الاتحادي أو الحكومة من أجل الوصول إلى الصيغة المناسبة لقانون الصحافة، فصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي حفظه الله هما أكبر الداعمين لحرية الكلمة والصحافة المسؤولة وهما يؤكدان دائماً على أهمية دور الصحافة، وهذا ما يجعل الصحفيين في الإمارات يتوقعون خيراً من القانون الجديد، كما أنه من الطبيعي أيضاً أن يصابوا بخيبة الأمل عندما يرون أن الدعم اللامحدود من شيوخنا حفظهم الله للصحافة يقابله قانون لا يرقى إلى مستوى هذا الدعم. وبما أنه لا يبدو أن الخلاف كبير فنحن بحاجة إلى عمل مشترك فالجميع يتفق على أهمية الصحافة ودورها وعلى ما قدمته للمجتمع طوال سنوات وجودها والجميع يؤيد وجود قانون ينظم عمل الصحافة فيحفظ حقوق الصحفي وحقوق الآخرين بدون تمييز ولا تفضيل لأحد على آخر، لذا فإن الأرضية المشتركة للصحفيين من جهة وللمجلس الوطني للإعلام وللمجلس الوطني الاتحادي من جهة أخرى هي أرضية واحدة، لكن يبقى أن يصاغ هذا الاتفاق في شكل قانون يرضي الجميع وقبل ذلك يخدم المصلحة العامة للبلد ويتماشى مع التطور الكبير الذي تشهده الدولة والاحترام الكبير الذي تحظى به على المستوى العالمي فيما يتعلق بالحريات العامة وحرية الصحافة. لا أود الخوض في الملاحظات على القانون الجديد فهي عديدة يتفق معي البعض فيها ويختلف البعض الآخر لكن ملاحظتي الرئيسية في هذا القانون هي أنه قانون "للأنشطة" الإعلامية في حين أننا اليوم بحاجة إلى قانون "للصحافة" قانون ينظم العمل الصحفي؛ يمنح الحريات ويوضح الحدود والواجبات ليجعل عمل الصحافة أكثر سهولة ومرونة بما يخدم المجتمع والحكومة. وقبل أن نقلب الصفحة عن الحديث حول هذا القانون لابد أن نذكر أنه ضم مادة مهمة جداً للعمل الصحفي وهذه المادة المعدلة تعطي الصحفي الحق في الحفاظ على مصادره وعدم كشفها، كما يحسب لهذا القانون أنه غير سالب للحريات، فلم تضم مواده أي عقوبة بالحبس وغيره. أخيرا كما أننا لا نعيش في مجتمع مثالي -حيث لا يوجد مجتمع مثالي أصلا- فإننا لا ندعي أن صحافتنا مثالية ولكنها الأكثر مسؤولية وهي تسعى دائماً إلى أن تكون متوازنة ومتمسكة بالثوابت الوطنية.