حالات الخلاف والانقسام، كما مبادرات التصالح والتسامح، كشفت أخيراً عن وجود صدوع وشروخ في "النظام العربي الرسمي" بات من الصعب رأبها وترميمها. وبموازاة ذلك هناك حالات من النقمة والسأم باتت تميز عدداً لا يستهان به من الدول العربية، إذ انعكس بعض منها باللامبالاة أو إحجام عن المشاركة أو نأي عن الانخراط وابداء الرأي، فهناك دول تشعر كأنها موجودة في اللقاءات عالية المستوى لمجرد إكمال النصاب، وحتى عندما تحاول أن تهتم أو تساهم في النقاش أو تتبرع للعمل، لا تلبث أن تستنكف عن ذلك بعد إشعارها بأن عليها ابداء انحياز لا لبس فيه لهذا الطرف أو ذاك، وينطبق ذلك على دول مغاربية. بلغ الاهتراء درجة لم تعد تسمح ولو بالحياد الأخوي، وليس الحياد الإيجابي فحسب، ما جعل المحايدين يحارون في تدبير علاقاتهم مع الأشقاء، فلا هذا يرضى ولا ذاك يتفهم. ووسط المنافسات والمناكفات بات يتعذر شيئاً فشيئاً أي سعي حميد بين الأطراف، لأن التوغل في منطق "من ليس معنا فهو ضدنا" أدرك نقاط اللاعودة. وقد أمكن للبنان، مثلاً، أن يكتشف هذا الواقع على حسابه، فحين ظن رئيسه أن الخط الأسلم هو التمسك بمبدأ التوسط وطموح التضامن العربي، خرج في بيروت من يتظاهر ويهتف ضده. وحين بذلت الكويت كل جهد توفر لديها لئلا تفاجأ بانهيار تصعب السيطرة عليه خلال القمة، خرج إلى شارعها من وضعوا الرئيس الفلسطيني بمصاف غير المرغوب فيهم. ومرّت فعاليات القمة بسلام، لكن هناك من علَّق على المصالحة التي لم تعمّر سوى لحظات. واقع الأمر أن ما نجح فيه الزعماء شفهياً رسب فيه الأعوان خطياً، وكأن الكلام المباشر كان بابلياً إلى حد استعصاء ترجمته في قرارات. لم يعنِ اللقاء، فالتصافح فالغداء سوى أن المجاملات لم تعد كافية لإيجاد قواسم مشتركة يمكن الإفصاح عنها. لم تكن هناك هوة سياسية فحسب، بل هناك فجوة بين طرفين كل منهما لديه اتهامات للآخر وحجج عليه وكمٌ هائل من الغضب والردح. وفي مثل هذه المواقف تبدو الفروسية كأنها تغامر برصيدها في المكان الخطأ وللطرف الخطأ. فحتى لو كان للصحيح أن يصحّ فإن الفرص تعوزه. هذه مرحلة بلبلة عربية تتزاحم فيها المعطيات الصائبة والمزيفة نداً لند، وبزخم قلّ نظيره، فالكل يدّعي أنه يفعل الصواب وأنه يملك الحق والحقيقة ومن ينبري لكلمة سواء يصار إلى تسخيفه وتسفيهه. هذه، إذن، مرحلة انحطاط بامتياز، وبنجاح باهر غير مسبوق تقريباً إلا أيام الدويلات التي تندفع إحداها لمناصرة الغزاة الصليبيين في ذبحهم لدويلة أخرى حتى إذا فعلوا استداروا لنحر من ناصروهم. وهكذا فلا ينجو أحد، لا أحد يستطيع ادعاء العفة ولا التصدي ولا الرفض ولا الصمود، الكل واغلٌ في وحول الأزمات وأوهام الأحلاف والمحاور. العالم يعلم عن العرب أكثر مما يعرفون عن بعضهم بعضاً، وهو لا يلام إذ يَعجب مما هم مختلفون عليه أو منقسمون حوله، بل لعله يعجب أكثر من كونها انقسامات حول أضاليل: مسالمة أم مقاومة؟ دولة أم ثورة؟ تهدئة أم وقف نار؟، إعمار أم فساد؟... كان يفترض أن النضال يكون الحقيقي الوحيد المصان، إلا أن "المع" و"الضدّ" تألبوا عليه حتى باتت ضحية اللاعبين والمتلاعبين. وكان يفترض أن تكون الثورة القيمة الوحيدة المقدمة -حتى النصر- إلا أن "المع" و"الضدّ" أشبعوها مهانة وتنكيلاً. وكان يفترض أن يبقى السلام مشفوعاً بالاستقرار والإعمار، البديل الوحيد المشرّف أو حتى شبه المشرّف، إلا أن الأعداء والأخوة الأعداء أمعنوا في جثته تمثيلاً وتشويهاً. ومهما علا الصوت في الشارع وعلى المنابر، فالكل يعلم علم اليقين أن من يتقدم للتضحية، مندفعاً أو مدفوعاً، إنما يتقدم وحده ويبقى وحيداً... فعلام الانقسام إذاً، طالما أن جهود الاعتدال والممانعة سائرة إلى المآل نفسه. لا هؤلاء مقتنعون ولا هؤلاء مقنعون، وليس بينهم من اهتدى أخيراً إلى العصا السحرية التي تشق طريقاً ثالثاً تشتد الحاجة إليه عربياً. يقال إن نظاماً عربياً جديداً قد ينبثق من المخاض الحالي ولا تعود الدول الكبيرة فيه كبيرة، ولا تعود الدول الصغيرة فيه صغيرة، سيكون هناك تبادل للأحجام والأدوار ولا تبادل للقدرات أو الثروات.