دار المقال الماضي (في إطار الكلام عن موضوع "الحوار العربي الألماني") حول بيان كيف أن الهاجس الوطني، هاجس "الوحدة والتقدم"، الذي شغل كلًا من الفكر الألماني والفكر العربي في وقت من الأوقات، هو الذي يدفع الشعوب إلى إعادة بناء الماضي على صعيد الوعي، بصورة تجعل تحقيق حلم المستقبل يأتي نتيجة طبيعية لـ"الصيرورة التاريخية"، لـ"منطق التاريخ"! وقلنا إن هذا هو ما تروِّج العولمة لنقضه وتقديم نفسها بديلًا عنه! ثم تساءلنا: وهل يمكن الوصول يوماً إلى عولمة بهذا المعنى، أي إلى عالم يخلو من الشأن الوطني الذي يتحدد أساساً بالجغرافيا والتاريخ والثقافة؟ ومقال اليوم يختم الموضوع بتحليل هذا السؤال. أما أن تكون وسائل المواصلات والاتصال المعاصرة قد قلصت البعد الجغرافي، بُعْدَ المسافة، إلى نقطة تتجه نحو الصفر، فهذا ما نراه رأي العين! وأما أن يؤدي إلغاء الجغرافيا إلى التقليل من شأن التاريخ، فهذا ما يبدو منطقياً: فالتاريخ بدون جغرافيا لا يهم الوطنية في شيء، وإذا كف التاريخ عن أن يكون قومياً صار أركيولوجيا وإنثروبولوجيا، لا غير! أما الثقافة فواضح أنها إذا تحررت من البعد الوطني فستكون بحق ثقافة سيبرانية CYBERCULTURE ثقافة الفضاء الكوني اللامرئي! هل يتعلق الأمر بمجرد افتراضات؟ قد يكون! ولكن ما يجعل من هذه الافتراضات إحدى ممكنات المستقبل هو أنها اليوم موضوع حلم يختلف عن جميع الأحلام الإنسانية السابقة. ومع ذلك فمثل هذه الافتراضات لا تعدو أن تكون في أحسن الأحوال نوعاً من "الخيال العلمي" الذي يتحدث عن مستقبل غير منظور. وواضح أنه لابد -قبل الوصول إليه- من المرور عبر المستقبل المنظور. والمستقبل المنظور يبدأ من الحاضر. والحاضر، حاضرنا الراهن، يقدم كل يوم ألف دليل على أن لـ"العولمة" وجهين وليس وجهاً واحداً. ويمكن للمرء أن يتبين ذلك بوضوح من خلال النظر إلى وضعية "رجال المستقبل" كما هي في الحاضر الراهن، أعني وضعية الأطفال في "الجنوب" ومقارنتها بوضعية أطفال "الشمال" الذين يصدق عليهم وحدهم ذلك المصطلح الجديد: "الموانيت": netoyen، (مواطن إنترنيتي). وهنا أستسمح القارئ بأن أنقل إليه فقرات من مقال للكاتب إدواردو غاليانو Edwardo Galiano نشره في جريدة "لوموند ديبلوماتيك" (أغسطس 1996) يصف فيه حال أطفال العالم اليوم، وهو يصنفهم إلى ثلاث فئات: أطفال الأغنياء، وأطفال الفقراء، وأطفال الطبقة المتوسطة. قال: "في عصر العولمة يعيش أطفال الأغنياء في وضعية اللاانتماء. يكبرون بدون جذور، لا يحملون أية هوية وطنية(…). إنهم يدربون منذ ميلادهم على الاستهلاك ويقضون طفولتهم في التعامل مع ما يقنعهم بأن الماكينات والآلات هي أجدر بالثقة من الأشخاص: أكلات سريعة، سيارات سريعة، حياة سريعة fast food, fast cars, fast life. وعندما يبلغون السن التي ينتظرون فيها الساعة التي تُهدَى لهم فيها سيارتهم الأولى من نوع جاكوار أو مرسيدس يكونون قد تدربوا على السياقة في الطرق السيارة السبرنيتية، حيث يلعبون بأقصى السرعات على الشاشات الإلكترونية، ويلتهمون بأقصى السرعات كذلك السلع التي يشترونها من الأسواق التجارية الضخمة...". "وبينما يلعب الأطفال الأغنياء لعبة الحرب بواسطة قذائف أشعة الليزر، تكون طلقات الرصاص قد اخترقت أجساد الأطفال الفقراء في شوارع مدن الصفيح أو في أحياء البناء العشوائي. وحسب الإحصائيات هناك عشرات الملايين، بل مئات الملايين -من الأطفال في حالة فقر مطلق، ويرتفع عددهم باستمرار. إن الأطفال هم أكثر رهائن "النظام" (الاقتصادي الاجتماعي السياسي) تعرضاً لسوء المعاملة. إن المجتمع يقهرهم، يراقبهم ويعاقبهم، وأحياناً يقتلهم، ونادراً ما يستمع إليهم؛ وإذا فعل فهو لا يفهمهم. إنهم يولدون وجذورهم في الهواء. كثير منهم هم أبناء فلاحين انتزعوا انتزاعاً بعنف وقسوة من الأرض ليأتوا إلى المدن حيث يهيمون غير مندمجين. إن الجوع والرصاص يختصران لهم المسافة بين المهد واللحد...". "وبين الذين يعيشون من لا شيء، والذين يعيشون في الغنى والرفاه، هناك أطفال لديهم أكثر قليلاً من لا شيء وأقل كثيراً من كل شيء. إن أطفال الطبقات المتوسطة هؤلاء يحرمون من حريتهم أكثر فأكثر. إن المجتمع الذي يقدس النظام، وفي نفس الوقت يحرض على الفوضى ويغذيها، يصادر حرياتهم يوماً بعد يوم. وفي هذا الزمن الذي يتميز بعدم الاستقرار الاجتماعي وبتمركز الثروة وانتشار الفقر واستفحاله، كيف يمكن للمرء ألا يشعر بأن الأرض تفلت من تحت رجليه"؟ ذلك ما كتبه باحث في بدايات الترويج للعولمة كما قلنا، أما اليوم وقد سلخت العولمة عقدين من عمرها فالأمر لم يعد حلماً ولا "خيالًا علمياً، إنه واقع معيش ليس في البلدان الصناعية المتقدمة وحدها، بل وعندنا نحن(؟) أيضاً! أطفال اليوم، رجال الغد، عندنا صنفان: صنف يعيش المستقبل في الحاضر، وصنف لا مكان له لا في المستقبل ولا في الحاضر! فهل نلوم هذا الصنف الأخير إذا هو تحصَّن في ماض من نسج الوهم والخيال، يعوض به غربته في حاضر لا يتبين فيه أي مستقبل؟ ليس هذا وحسب، بل إن العولمة محكومة بمنطق الهيمنة التي تمارسها، وتعمل على تكريسها على الكرة الأرضية كلها، من توصف بـ"الدولة الكبرى" في عالم اليوم. وما دام الأمر كذلك، فإن رد الفعل لن يكون شيئاً آخر غير التشبث بالجغرافيا والتاريخ، أعني: التمسك بالدولة الوطنية والدفاع عنها. وليس هناك من سلاح للدفاع عن الدولة الوطنية غير الثقافة والتاريخ، وبالتالي "الماضي" الذي يوظف في تدعيم الحاضر. أما ما نشاهده اليوم من "عودة" الديني فهو رد فعل مؤقت وإن طال. ذلك أنه ليس من الممكن أن تتحقق "عولمة مضادة" من خلال "عالمية الدين"، لأن الأديان متعددة ومستعدة لأن تتحارب، والحروب الدينية تنتهي دوماً إلى التمسك بالقومية، بالدولة الوطنية. ومعلوم أن الدولة الوطنية في أوروبا قد قامت في أعقاب الحروب الدينية، كما أن شعار "القومية العربية" كان في أصل ظهوره بديلًا لشعار "الجامعة الإسلامية". هذا من جهة، ومن جهة أخرى ارتبط نشوء الدولة الوطنية الحديثة بقيام الثورة الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا... وبما أن العالم يدخل الآن -أو هو داخل فعلًا- في عصر تكنولوجي جديد تماماً، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن إعادة بناء الدولة الوطنية في عصر الثورة العلمية المعلوماتية؟ هذا سؤال حقيقي في نظرنا، وذلك لسبب بسيط، وهو أن الدولة الداعية إلى "العولمة"، تحت هذا الغطاء أو ذاك، تتصرف بمنطق الدولة القومية الساعية إلى الهيمنة! فكيف يمكن أن يتصور المرء استجابة حقيقية لهذه الدعوة غير تلك التي تنطلق من منطق الدولة القومية؟ إن حلم كانط بقيام دولة عالمية واحدة أو جمعية دول يتحقق بها السلام على الأرض، مثله مثل حلم ابن رشد بإمكانية قيام مدينة فاضلة "في زماننا هذا وملتنا هذه"، حلم نبيل بدون شك. ويجب أن يبقى مطمحاً للبشرية، وموضوعاً للتربية في المستقبل. ومع ذلك، ولكي لا تكون خيبة الأمل من عدم تحقق هذا الحلم في المستقبل المنظور، مريرة قاسية، ينبغي العمل على حل مشاكل الحاضر. إن أجزاء العالم تقترب اليوم من بعضها بعضاً أكثر من أي وقت مضى. وما دام الظلم الذي يستشري فيه، السياسي منه والاجتماعي والإثني سواء على صعيد البلد الواحد أو على صعيد العلاقات الدولية، لا يجد طريقاً للتصفية والتجاوز في إطار علاقات تقوم، لا أقول على العدل وحده فهذا حلم، بل أقول على توازن للمصالح عادل، فإن آليات رد الفعل من المظلومين لن تستغني عن السكنى في ماض ممجد تسقط عليه جميع طموحات المستقبل، وبالتالي التصرف، في هذا العالم القريب بعضه من بعض، بما يمكِّن من إلحاق الأذى بـ"الآخر" باستمرار وبوسائل متنوعة، والنتيجة زرع الخوف في الحاضر والمستقبل. وهكذا يتحول عالم العولمة الذي يريد القضاء على الجغرافيا والتاريخ إلى عالم يغمر فيه الخوف كلًا من الجغرافيا والتاريخ.