ضمن الأدبيات العالمية المعاصرة الخاصة بدراسات مقولة النخبة، يطلق مصطلح النخبة المثقفة لوصف تلك المجموعة من الأفراد، التي يرتبط المنتمون إليها ببعضهم بعضاً عن طريق أعمالهم الفكرية. وبالإضافة إلى ذلك، قام المتخصصون من دارسي النخبة بطرح مجموعة من التعريفات لتوضيح كنه النخبة المثقفة، تلك التعريفات تصب في ثلاثة أطر رئيسية: الأول منها يتعلق باعتبار أن النخبة المثقفة، هي الفئة المجتمعية التي يتناوب أفرادها على إبداع المثل العليا، وقيم الحق والخير والجمال والعدالة والمساواة، وحمايتها والمحافظة عليها. أما الإطار الثاني، فيشير إلى أن النخبة المثقفة هي المجموعة التي يقوم أفرادها بوضع الأفكار لكل البشر، وبابتكار النظريات الاجتماعية العلمية وربما الأساطير الاجتماعية الشعبية وبنشرها وإيصالها إلى العامة لكي تقتدي بها، وذلك بالإضافة إلى قيامها بالانتقاد العلمي الهادف إلى إصلاح شؤون المجتمع. ويتعلق الثالث باعتبار أن النخبة المثقفة هي تلك المجموعة التي يشكل أفرادها فئة اجتماعية محددة بيدها مفاتيح التحكم المركزي في التطور الثقافي للمجتمع. من جانب آخر، توجد تعريفات أخرى ذات صلة بنطاق ودرجة الشمولية اللذين تحظى بهما النخبة المثقفة، فيشير بعض المتخصصين إلى أنها تتضمن العلماء والمفكرين الذين يقدمون للبشرية إبداعات مفيدة ترتقي بها، في حين أن آخرين يركزون على اختلاف الوعي الاجتماعي والنظري بين جماعات المثقفين، فيشيرون إلى أن النخبة المثقفة تشمل جميع من يقومون بإبداع القيم الأدبية، والمفكرين الذين يبتكرون الاتجاهات الثقافية والخبرة في المجالات المختلفة، والذين يطبقون المعرفة النظرية على القضايا الاجتماعية وفق مناهج علمية محددة، وبتشكيل المفاهيم العامة والنظريات السياسية وبنشرها، والمتخصصين في العلوم الإنسانية والاجتماعية الذين يحللون الأفكار المنشورة والتعليق عليها والإضافة إليها، وبنقد أعمال الآخرين الفكرية والثقافية بهدف تقويمها باتجاه الفائدة المجتمعية والبشرية. في البلاد العربية، لم تصل دراسات النخبة الثقافية إلى المدى المطلوب الذي يمكن لها من خلاله التأثير على مسيرة المجتمع. ولكن الملاحظ هو أن جميع تلك الأعمال تتحدث عن تأثير التعليم الحديث بمفاهيمه الغربية على تفكير وممارسات أعضاء النخب الثقافية بعد أن خرج الاستعمار من البلاد العربية وتسلمت زمام الحكم في بداية الأمر نخب سياسية تقليدية حاولت تسيير أمور البلاد التي تحكمها على الطريقة الغربية التي ورثتها من الدول الاستعمارية السابقة، ولكن ذلك لم يدم طويلاً وانهارت تجارب الحكم تلك، وظهرت على أنقاضها نظم سياسية قائمة على حكم الجيوش التي وصلت إلى السلطة عن طريق الانقلابات. وبعد أن استتب لها الأمر تم نشر موجة من الدراسات التي تناقش أوضاع النخب المختلفة في البلاد المعنية سواء أكانت سياسية أو عسكرية أو اقتصادية أو مثقفة. في معظم تلك الأعمال، تم تصوير أعضاء النخبة كممارسين لعملية التحديث وكصائغين للأهداف والتطلعات الجديدة بالإضافة إلى أوضاعهم ومواقعهم الاجتماعية كفواصل ضد الانشقاق وتدهور المجتمع. ضمن ذلك الإطار يظهر عضو النخب المثقفة أحياناً على أنه إنسان معذب بسبب شعوره الخاص بالاغتراب بسبب ما يعانيه من عمليات تهميش متعمدة تمارسها النخبة السياسية الحاكمة أو نابعة من الصدام بين الثقافة الحديثة التي يحملها والثقافة التقليدية التي تعم المجتمع، الأولى بحكم التعليم الحديث الذي تلقاه على أسس غربية والثانية بحكم المولد والنشأة الأولى. ويعتبر جزءاً من صورته تلك الطريقة التي يرى بها ذاته كمؤد لوظيفة اجتماعية لها علاقة بالقيم الإنسانية وصلتها المباشرة بالوضع الخاص، الذي يجد نفسه فيه وبالمناهج التي يسعى من خلالها إلى تحقيق أهدافه الخاصة أو المجتمعية. وفي سياق ذلك، يجد المثقف نفسه مهتماً وباستمرار بالمشاكل الثقافية والأخلاقية للمجتمع والمتعلقة بالهوية وبحرية التعبير وبالهدف وبالاتجاه وبالإدراكات الحسية وبالبواعث. ويضاف إلى ذلك أنه يجد نفسه مهتماً أيضاً بالجوانب السياسية للمجتمع الذي يعيش فيه وبالجوانب الاقتصادية التي تتمخض بشكل مستمر عن طبيعة نظام الحكم القائم في كل بلد على حدة. فبالنسبة للجانب السياسي، تنشأ حالة اهتمام المثقف العربي به بسبب عدم وجود قنوات حديثة واضحة لمصادر الشرعية وتداول السلطة ومراقبة الأداء السياسي والتحكم في المال العام. أما بالنسبة للجانب الاقتصادي، فإن المسألة تنشأ من حالة عدم الأداء الاقتصادي الجيد وتفشي نسبة البطالة العالية في المجتمع.