يدور حديث صاخب في شتى أرجاء العالم عن صمود غزة ثلاثة أسابيع كاملة أمام آلة الحرب الإسرائيلية الجهنمية، ونجاح المقاومة في حرمان العدو من تحقيق أهدافه، وإسهامها في كشف الوجه الكريه له، مع قدرة ظاهرة على الاستبسال في وجه حمم النار التي أطلقها الكيان الصهيوني على بقعة جغرافية صغيرة مكتظة بالسكان، ومحاصرة من الجهات الأربع، منذ ما يربو على سنة ونصف. ولم يعن كثيرون بتجلية معنى الصمود، وسبر أغواره، ولم يأخذ هذا المصلطح حظه من الشرح والتفسير والإحاطة، التي حظيت بها مصطلحات أخرى مرتبطة بالصراع العربي- الإسرائيلي، على رغم أن الصمود يشكل قيمة مركزية ومسلكاً رئيسياً في هذا الصراع الوجودي، حيث استفاضت أقلام عربية في هذه الأيام العصيبة في الحديث عن أن البقاء في الأرض والتمسك بالمبدأ والإيمان بالقضية والشعور بجدوى المحاولات المتكررة، بوسعه أن يجعلنا نتجاوز الانكسار ونعد للانتصار، ونوقن بأنه آت لا محالة. وتحول الصمود إلى شعار عريض. والصمود حالة نفسية وذهنية وجسدية تساعد الفرد والجماعة على تحمل أقصى درجات الألم، عبر امتصاصه وتفريغه من مضمونه وتجريده من كل أداة يضغط بها على النفس والعقل والجسم، وحرمان مستعمليه من تحقيق الغايات والأهداف التي يرومونها من إيلام الآخرين والتنكيل بهم، ماديّاً ومعنويّاً. ويبلغ الصمود حده الأقصى والأنجع حين يتمكن الصامدون من حمل العدو على الشعور بأنه يخسر مع استمرار القتال، مما يجعله يفكر جدياً في إيقافه، وكذلك حين يتمكن الصامدون من تعزيز قوى الضغط على العدو في داخل أرضه وفي المحيط الإقليمي والدولي الذي يعنى بالمعركة أو يراقبها ويتابعها، والنجاح في جلب تعاطف متصاعد. وللصمود مظاهره وتجلياته التي لا تخفى على المتابعين والدارسين، منها القدرة على الصد حتى آخر لحظة في المعركة، وحرمان العدو أو الخصم من تحقيق كل أهدافه التي حددها لنفسه قبل خوض القتال، وكذلك القدرة على الحفاظ على تماسك المجتمع واستمراره مهما كان العدوان مفرطاً في استعمال القوة والبطش، وإمكانية إعادة ترميم وتعمير ما خربه العدوان، واستعادة القدرات العسكرية التي تم تدميرها أثناء المعركة، والقدرة على إدارة صراعات حادة تنطوي على التعرض لضغوط قاسية، ويمكن لبعضها أن يطول، ويستهدف فيه العدو اقتلاع أهل البلد الأصليين من أرضهم وتشتيتهم خارج وطنهم، أو إذلالهم معنوياً إلى حد إجبارهم على الهروب والرحيل، ثم تصوير الأمر للعالم على أنه اختيار حر لهؤلاء. وهناك شروط ضرورية يجب توافرها أو على الأقل توافر أغلبها كي يتحقق الصمود، ويمكن ذكرها على النحو التالي: 1 ـ بناء تكتيكات متماسكة تعمل على توزيع طاقة المقاتلين وجهدهم على أيام المواجهة، بما يمكنهم من سد أي ثغرة ينجح العدو في إحداثها خلال سريان المعركة، أو سعيه إلى الإنهاك الجسدي والنفسي للمقاتلين. 2 ـ توافر القدرات القتالية، من ذخيرة حية وتدريب رفيع المستوى يكافئ كل معركة حسب حجمها ونوعها وطورها، وإقامة تجهيزات عسكرية مناسبة، وتوفير دعم لوجستي مستمر على مدار أيام المواجهة المسلحة. 3 ـ حيازة القيم التي ينطوي عليها الصمود مثل الصبر على المكاره، والعناد الإيجابي الذي يقوم على التماسك النفسي، والثقة في الله سبحانه وتعالى وأنه ينصر من ينصره بالانحياز إلى الحق والعدل والحرية والخير، والإيمان بالذات، والشعور الجارف بأهمية التضامن مع الآخرين، وامتلاء الجوانح بالانتماء إلى كل ما يحقق وجود الإنسان ويصون كرامته، كالعقيدة والأرض والعرض والأهل والمعاني النبيلة. 4 ـ امتلاك القدرة على توظيف كل المجالات المتاحة، مدنية كانت أم مسلحة، مثل الإعلام، المكتوب والمسموع والمرئي والمتعدد، بما يؤهل الصامدين لإنتاج خطاب يساعد على إقناع من هم على الحياد بعدالة القضية وسموها، ومن ثم جذبهم إلى الوقوف إلى جانبها ومساندتها بالقول أو الفعل أو بكليهما، ثم توظيف الأدوات الدبلوماسية المتعارف عليها لتحقيق النصرة السياسية عبر التعريف بها في كل المحافل الدولية، وإدارة تفاوض ناجح مع العدو حين يحين وقت ذلك، بما لا يجعل الصمود يخسر بالسياسة ما لم يخسره بالسلاح. 5 ـ وجود يقين لدى الصامدين بأن الأضرار الناجمة عن التهاوي أو الاستسلام أشد وطأة وأفدح أثراً من تقديم التضحيات، مهما بلغت جسامتها وضخامتها. ويمكن هنا أن يراجع الصامدون التاريخ في مشارق الأرض ومغاربها، ليقفوا على الأضرار التي ترتبت على التهاوي والرضوخ بعد صمود قصير، والعار الذي لحق بالصامدين الذين فرطوا فيما حصدوه من صمودهم وثباتهم. 6 ـ عدم انتظار الصامد مكافأة خارجية على صموده، بل التصرف على أساس الإيمان بأهمية الصمود والاقتناع بالذات الصامدة. فمن ينتظر فائدة أو منفعة دنيوية، مادية أو معنوية، على ثباته سيتهاوى ويهزم على الأرجح إن تأخرت هذه المنفعة أو تأكد من أنها لن تأتي أبداً، أو ستأتي أقل من المتوقع. 7 ـ امتلاك الفرد إرادة واعية تمكنه من تحويل التهيئة الذهنية والنفسية للصمود إلى سلوك عملي مستمر، يتجاوز بكثير مجرد الشجاعة العفوية أو الطارئة التي يمكن أن يمتلكها الفرد في لحظة استثنائية من حياته ثم لا تلبث أن تتبخر، والتي هي أمر عارض في حياة الأفراد، لا يعول عليها، ولا تبنى عليها استراتيجيات، أو تعقد آمال. 8 ـ إيمان الإنسان بأنه يمتلك طاقة غير محدودة، تعينه على تحمل الألم وتجاوزه، وتجعله موقنا بأن عدوه أو خصمه سيفشل في كل الأحوال، وتمكنه من حيازة قدرة كبيرة على تحويل كل نقاط الضعف إلى مواطن قوة.