خلال العشرة أيام الأولى من ترشيحه للانتخابات الرئاسية، حط الصحفيون أنظارهم على الجنرال ويسلي كلارك، وتسلطت أسئلتهم واهتماماتهم حول موضوع واحد لا غير هو: هل أجاد الجنرال معرفته وإلمامه بالقضايا الانتخابية؟ وكان عدد من المحللين والمراقبين السياسيين قد أنحوا باللائمة على كلارك واتهموه بعدم الإلمام بجملة من القضايا، تمتد من البحوث الخاصة بمكافحة مرض الإيدز وحتى الخطط ذات الصلة بإصلاح نظام الرعاية الصحية في البلاد· ومن جانبهم فقد صوره الصحفيون على أنه غير واثق حتى مما إذا كان قد صوت لصالح الحرب على العراق أم لم يفعل، مع أن هذا التصويت هو الافتراض الذي بنى عليه ترشيحه أصلا· بل أنحى عليه أحد الصحفيين باللائمة لكونه لم يقدم إجابة مقنعة على سؤال وجه إليه حول موقفه من خصخصة الضمان الاجتماعي التي يعترض عليها كلارك· ولا توجه سهام النقد والأسئلة حول الموقف الانتخابي لكلارك ورأيه من جملة القضايا المطروحة على مستوى الساحة الانتخابية الداخلية من قبل الصحفيين المحافظين من ذوي الميول الجمهورية وأصحاب المصلحة السياسية والانتخابية في إزاحة منافس قوي للرئيس بوش مثل كلارك فحسب، إنما يشارك وينشط في حملة الانتقادات هذه صحفيون ليبراليون، ومهنيون يؤدون عملهم الصحفي دونما اعتبارات سياسية أو أيديولوجية· ومما عابه بعضهم على كلارك، استعانته بسكرتيره الإعلامي في الإجابة على بعض الأسئلة التي تستعصي عليه· وينظرالبعض إلى مثل هذا السلوك على أنه مؤشر على عدم إلمام المرشح بالقضايا الانتخابية المثارة· بقي أن نشير إلى أن كل هذه الحملة تقوم على فرضية صحفية فحواها أن المضمون الذي يعبر عنه المرشح ويحمله، يفوق صورة الناخب أو هيئته الخارجية أهمية· ومن رأي الصحفيين أن من واجب أية حملة صحفية انتخابية مسؤولة لمرشح ما، أن تجبر كلارك وغيره ممن يجهلون تقريبا كافة القضايا الانتخابية، من الوصفات الطبية وحتى مصادر الطاقة المتجددة والبديلة، على التركيز على المضمون وليس الشكل·
ولكن من رأيي أن الصحافة إنما تثير زوبعة في فنجان بسبب ما تسميه بالقضايا الانتخابية وموقف المرشح المعين منها· ومن واقع الممارسة السياسية الفعلي، فإنني لا أرى مبررا لكل هذا التركيز الصحفي عليها· فمع أن هناك هوة سياسية أيديولوجية تفصل دون شك بين ديمقراطي يميني مثل السناتور جو ليبرلمان، وجمهوري يساري مثل دينيس كونشين على سبيل المثال، إلا أن الشاهد لا فرق يذكر بين كافة المتنافسين الديمقراطيين من حيث كونهم يمثلون التيار الليبرالي في نهاية المطاف· وإذا ما قدر لأي منهم الفوز بالمنصب الرئاسي، فإنه سوف يبلور سياساته على نهج ديمقراطي، من قضايا الإجهاض وحتى الضرائب والحريات المدنية إلى آخره· ولن يكون الفارق إلا نسبيا وطفيفا جدا بين ديمقراطي وآخر في وضع وتنفيذ السياسات العامة الخاصة بهذه القضايا· لذا فإن من رأيي أن الصحافة تحاول توسيع وتهويل هذه الاختلافات الطفيفة بين المرشحين·
نقدر للصحفيين خوفهم من أن تتحول العملية الانتخابية في البلاد، إلى ممارسة يسود فيها الشكل على المضمون، وأن يكون دافع الناخب للتصويت لصالح مرشح معين هو نبرة صوته أو طريقته في الخطابة والإلقاء أو شكله العام على حساب برنامجه الانتخابي والقضايا التي يدافع عنها· غير أن ترشيح الجنرال كلارك لن يتأثر سلبا أو إيجابا بمدى دقة وتفصيل الخطط التي يطرحها· وإنما يتوقف مصيره الانتخابي على مدى قدرته على إثارة الناخبين الديمقراطيين وتلبية حاجاتهم الملحة لمرشح ديمقراطي قادر ومؤهل لمنازلة الرئيس جورج بوش من ناحية، وإبداء الحزم اللازم حيال قضايا الأمن القومي من الناحية الأخرى· وأظن أن هذا هو ما يفعله حاليا الجنرال كلارك حتى هذه اللحظة من مسار تطور العملية الانتخابية· أما آن لنا أن ندرك أن الشكل نفسه في كثير من الأحيان يكون عاكسا للمحتوى وتجليا خارجيا له···· سيما في عالم السياسة؟
ديفيد جرينبيرج
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أستاذ العلوم السياسية في جامعة ييل ومؤلف كتاب "ظل نيكسون".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور