يلحق مشروع "الشرق الأوسط الجديد" بصاحبه جورج بوش فيغادران المشهد العالمي والشرق أوسطي في لحظة سريالية. لحظة تجمع الفشل الذاتي والغبطة المعولمة لإنتهاء الحقبة البوشية وأقداراً من أمل غير قليل تُناط بالرئيس المنتخب باراك أوباما. تلاقت تلك اللحظة مع حرب غزة التي أعلنت بدورها عن إسدال الستار بشكل دموي وفاحش على مغامرات بوش الشرق أوسطية وإنهاء سذاجاته بـ "شرق أوسط جديد" مفصل على مقاسات أفكار "المحافظين الجدد" وإسرائيل. بيد أن حرب غزة عملت على ما هو أهم من ذلك: إنها تفتح ستارة أخرى عن شكل شرق أوسط مختلف. الروافع السياسية العريضة لقيام هذا "النظام الجديد" تستند إلى أرضيتين: فشل مشروعات التسوية مع إسرائيل وإزدياد بطشها الإحتلالي خلال العشرين سنة الماضية رغم إقرار الفلسطينيين بمبدأ الدولتين منذ أواخر الثمانينات، والفشل الإجمالي للسياسات الأميركية في المنطقة سواء إزاء فلسطين أو العراق أو إيران أو "الإرهاب" وقائمة أخرى من القضايا الأقل مركزية، مُضافاً إليها سياسة اضعاف الاعتدال العربي، التي تمثلت في إهمال المبادرة العربية للسلام التي أطلقت سنة 2002 في بيروت بإجماع عربي. رغم أننا مازلنا نعيش لحظة الحرب فإنه بالإمكان القول، وبقدر من المجازفة، إن الحرب أطلقت نظاماً إقليمياً جديداً، معلناً نهاية مرحلة وبداية مرحلة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية تحديداً. الحرب أثارت الجدل حول ما كان يعرف بـ "النظام الرسمي العربي"، متمحوراً حول الجامعة العربية والدول العربية الكبرى إزاء فلسطين. معالم ذلك النظام كانت تتمثل في توفير موقف عربي شبه موحد كلما لزم الأمر وخاصة عند الأحداث الكبيرة، الحروب، الاعتداءات الإسرائيلية، الانتفاضات وسوى ذلك. تبنى ذلك النظام سياسة توافقية معتدلة في جوهرها وتأخذ بالاعتبار الشديد عدم مواجهة السياسة الأميركية والاصطدام المباشر معها. نعرف جميعاً أن ذلك النظام أنشطر على نفسه في قضايا كبرى ولم يقو على استيعاب تناقضات مواقف الأطراف العربية، خاصة قبيل وخلال حرب العراق الأولى. لكنه إزاء قضية فلسطين تمكن من المحافظة على "هشاشة الحد الأدنى" بتقديم أقل ما يمكن من الفاعلية مُعلبةً بأكبر قدر ممكن من اللفظية. حرب غزة هي ثاني أهم اختبار تعلق بالصراع العربي- الإسرائيلي خلال ما يقارب ثلاثين عاماً وتسبب في إرباك هذا النظام، إذا أعتبرنا أن الاختبار الأول كان زيارة السادات للقدس سنة 1977 وما تبعه من انشطار رأسي في النظام الرسمي العربي. لكن الأهمية الاستثنائية لحرب غزة، هي وقوعها في سياق توزيع قوى إقليمي مختلف عما كانت عليه الأمور قبل ثلاثة عقود. وهذا السياق يتضمن دولًا فاعلة غير عربية أهمها تركيا وإيران تلعبان دوراً كبيراً، إن لم نقل مركزياً، في قضية فلسطين كما تجلى ذلك خلال الحرب. وكلا البلدين لا تتورعان، وبدرجات مختلفة، في تبني سياسة مصادمة للسياسة الأميركية في المنطقة تجاه فلسطين. ردة فعل النظام الرسمي العربي على الحرب كانت أقل من المواقف التقليدية التي تعودت عليها المنطقة، والتي غالباً ما كان يتم إخراجها على شكل إجتماع قمة يصدر قرارات وإدانات قليلة التأثير في مجملها. وإحدى النتائج الطبيعية لهذه الصيرورة تكمن في صعود تدريجي لقوى أخرى. الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحول دون مزيد من الأفول هنا، ومزيد من الصعود هناك هو تغيير الأرضيات التكوينية لهذا التغيير: التغول الاحتلالي الإسرائيلي، والسياسة الأميركية المتواطئة معه. يمكن القول بأن قمة الدوحة التي ضمت عددا من الدول العربية وحضرتها تركيا وإيران والسنغال بداية لحظة الانعطاف ا في شكل النظام الإقليمي. لم تعلن قمة الدوحة الحرب على إسرائيل، لكنها اشتغلت في المجال الذي تتيحه هوامش السياسة. واستندت قمة الدوحة (كما استندت تركيا داخلياً) في ذلك الاشتغال على مزاج داخلي شعبي وخارجي عالمي داعم للفلسطينيين ومعارض للوحشية الإسرائيلية الباطشة. وعلينا أن ننتظر بعض الوقت لنرى فيما إن كانت "قمة الدوحة" ستستمر على شكل تحالف أو شبه تحالف بين الدول والأطراف، كما أن دخول تركيا وإيران بقوة إلى قلب النظام الإقليمي العربي هو المعلم الأول والكبير في الشكل الجديد. فلسطينياً عززت هذه الحرب ونتائجها غير الحاسمة، نسجاً على منوال حرب إسرائيل ضد "حزب الله" في صيف 2006، موقع حركة "حماس" في الساحة الفلسطينية، وأضعفت موقع حركة "فتح" عموماً، وموقع السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس في رام الله خصوصاً. الإرتباك الذي وسم موقف "فتح" والسلطة في رام الله وجه ضربة شديدة التأثير لموقع الإثنتين، ولا يعرف أحد في هذه اللحظة كيف سيتم ترميم الخسارات. عززت الحرب أيضاً مسألة في غاية الخطورة، وهي تباين مصادر التأييد والدعم. ففي حالة الرئيس عباس والسلطة في رام الله، تبدى أكثر وأكثر أن مصدر الدعم الأساسي خارجي متمثل في التوافقات السياسية مع الاطراف الخارجية، إسرائيل، الولايات المتحدة، أوروبا، والعلاقات الدولية والدبلوماسية التي تساند السلطة والرئاسة. في حالة "حماس" تبدى أكثر وأكثر أن مصدر الدعم الأساسي داخلي، يعتمد على آليات ذاتية: الانتخابات والمواجهة في السنوات القليلة الماضية. في نفس تلك السنوات ارتكبت "حماس" سلسلة من الأخطاء بعضها يتسم بالجسامة، وأهمها فشلها في تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد فوزها بالانتخابات مباشرة، ثم لجوئها إلى القوة لحسم خلافها مع "فتح" في قطاع غزة، هذا مع ضرورة الإشارة دوماً إلى أخطاء القادة الأمنيين "الفتحاويين" في غزة واستفزازاتهم، التي ساهمت في دفع "حماس" للقيام بما قامت به. على كل حال، أتاحت الحرب وصمود قطاع غزة والأداء العسكري للفصائل، إعادة ترتيب الأوراق وخلق واقع جديد. جوهر هذا الواقع، فلسطينياً، هو استقواء "حماس" واستضعاف "فتح" بما سينعكس على مضامين ونتائج أي حوار فلسطيني- فلسطيني قادم، إذ سيقوم على أرضية توازنات سياسية مختلفة.