في مطلع الشهر الماضي، تناقلت وسائل الإعلام خبراً صدر عن فريق باراك أوباما الانتقالي، ويفيد بأن (الرئيس المنتخَب وافق على برنامج للسياسة الخارجية يمثل استمرارا لـ"الحرب على الإرهاب" وفق شروط جديدة وموسعة ومختلفة). وتتلخص خطوطه العريضة في اعتزام الولايات المتحدة محاربة أصل مشكلة الإرهاب، والبدء من نقطة الصفر في دول "مارقة" و"فاشلة" في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأفريقيا من أجل بنائها من جديد وتحويلها إلى دول ديمقراطية حديثة. وتنكب على دراسة هذه الفكرة أجهزةُ السياسة الخارجية الأميركية في واشنطن، غير أن وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس كانت قد أعلنت الصيف الماضي عن تشكيل فرق جديدة تشارك فيها العديد من الوكالات الفيدرالية من أجل التوجه إلى عدد من البلدان بهدف بناء مؤسسات وممارسات ديمقراطية فيها، إضافة إلى توفير المساعدات التقليدية. وفي هذا السياق قالت "رايس" إن "البناء الديمقراطي للدول" هو "الحكمة الأميركية الجديدة". ومن جانبه، كان روبرت جيتس، الذي سيواصل مهامه كوزير للدفاع في إدارة أوباما، قد أيد فكرة هذا البرنامج. وحسب تعبير "جيتس"، فإن واشنطن "ستغير العالم حتى يصبح مثل أميركا". واسمحوا لي الآن بتغيير الموضوع للحظة. فقد حملت الأيام الأخيرة معلومات حول تقرير فيدرالي يتألف من 513 صفحة حول جهود إعادة الإعمار التي تتزعمها أميركا في العراق الذي دمرته، والتي تبين أنها تمثل كارثة تقدر خسائرها بـ100 مليار دولار، وتعزى بالأساس إلى الأفكار الخاطئة، والتبذير، والفوضى، والصراعات البيروقراطية والشخصية، والأكاذيب، وانعدام الكفاءة. وحسب التقرير، فإن القليل فقط هو الذي أُنجز على مدى السنوات الخمس الماضية غير إعادة الخدمات الأساسية والقدرات الإنتاجية التي دمرها الغزو الأميركي وأعمال النهب والسرقة التي أعقبته. حدث هذا بعد قتل أو إصابة نصف مليون مدني عراقي من أجل تحريرهم. وعليه، مما جعل البعض لا يستغرب قيام الصحفي العراقي برمي فردتي حذائه على الرئيس الأميركي خلال المؤتمر الصحافي الذي عُقد في بغداد بمناسبة الزيارة الوداعية التي قام بها إلى هناك، وتلك أسوأ إهانة ممكنة في الثقافة العربية. وقد حدث هذا لأنه لا أحد من الأميركيين ممن هم في موقع المسؤولية كانوا يعرفون ماذا هم فاعلون، باستثناء الأمور المتعلقة بالأهداف العسكرية. فقد طمأن "المحافظون الجدد" الرئيس بوش بأن الولايات المتحدة سبق أن أنشأت أنظمة ديمقراطية في ألمانيا واليابان بعد الحرب، والأكيد أن العراق سيكون أسهل. غير أن لا أحد ممن هم في السلطة سأل أحداً ممن كانوا في ألمانيا أو اليابان، أو كلف نفسه عناء الاطلاع على السجلات ومراجعتها، وما أكثرها! فقد تمت "دمقرطة" اليابان لأن الامبراطور، بعد علمه بأن تلك هي رغبة الجنرال دوجلاس ماكآرثر، أمر شعبه بأن يصبح ديمقراطياً. ثم إن اليابان كانت تتوفر على برلمان وملكية دستورية قبل الحرب، قبل أن تتحول إلى ديكتاتورية عسكرية. لتصبح مرة أخرى ديمقراطية دستورية بعد الحرب. أما في ألمانيا، فقد دشنت سلطات الاحتلال البريطاني والأميركي عام 1945 عملية اجتثاث المنتمين للحزب النازي، ولكنها سرعان ما اكتشفت أنه نظراً لأن معظم المناصب الرسمية في البلاد كانت تتطلب الحصول على عضوية هذا الحزب، فإنه لن يكون ثمة أحد لإدارة شؤون البلاد، إنْ هي مضت قدماً في اجتثاث المنتمين للحزب النازي، ثم استقر رأيها على محاكمة مجرمي الحرب الفعليين. وحين بدأت الحرب الباردة، تركت الألمان يواصلون إقامة نظام ديمقراطي (والجدير بالذكر أن ألمانيا كانت ديمقراطية برلمانية قبل انتخاب هتلر وحزبه بشكل ديمقراطي). أوتبالمقابل، كان أول شيء تقوم به إدارة بوش بخصوص جهودها لدمقرطة العراق هو طرد كل الأشخاص الذين يعرفون كيف يديرون شؤونه. وقد حدث شيء آخر في الآونة الأخيرة يؤثر على موضوع الكفاءة الرسمية الأميركية، يتعلق الأمر باعتراف أحد أكثر الشخصيات تقديراً واحتراماً في "وول ستريت"، وهو بيرنارد مادوف الرئيس السابق لبورصة "ناسداك" بأنه قام على مدى سنوات بأعمال نصب واحتيال، وسرق 50 مليار دولار من أفراد، من بينهم مستثمرون معروفون، وبنوك داخل الولايات المتحدة وخارجها. وعلى ما يبدو، فإن مادوف قام بما قام به على مدى 40 عاما (أسس شركته الاستثمارية في 1960)، وذلك بالرغم من ثلاثة تحقيقات قامت بها "لجنة الأوراق المالية والبورصات"، وشكاوى رسمية تقدم بها منافسون لمادوف إلى "اللجنة"، والسرية المطلقة التي كان يحيط بها زبائنه وعمله، واستمرار الإشاعات والشبهات بشأنه في "وول ستريت". مما يجعلها ربما أكبر فضيحة احتيال مالي على الإطلاق. ولكنها فضيحة تأتي في وقت عصيب بالنسبة للنمط الأميركي من النظام الرأسمالي، والذي يشكل نشره في العالم هدفاً للولايات المتحدة. فالعالم الرأسمالي يعاني أزمة سيولة وكارثة وشيكة قد تكون أسوأ من "الكساد الكبير"، الذي حدث في عقد الثلاثينيات، وتسبب فيها الغش وانعدام الكفاءة في النظام المالي الأميركي. وبعد هذا الدليل على الفشل الأميركي في إدارة شؤونها الخاصة، اسمحوا لي الآن بالعودة إلى موضوع السياسة الخارجية، التي تهدف إلى إعادة بناء دول أخرى حتى تكون مثل أميركا. فقد ورد ضمن خلاصات التقرير الفيدرالي المشار إليه حول جهود إعادة الإعمار الأميركية في العراق ما يلي: "بعد خمس سنوات على شروعها في أكبر مشروع لإعادة إعمار في الخارج بعد مخطط مارشال في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية، فإن الحكومة الأميركية لا تتوفر لا على السياسات، ولا على القدرات التقنية، ولا على الهيكلة التنظيمية اللازمة لتنفيذ مثل هذا البرنامج". وشخصياً، أعتقد أنه سيكون من الحكمة كتابة هذه الكلمات ببنط عريض وواضح على باب مجلس الأمن القومي للرئيس باراك أوباما حتى لا تغيب أبداً عن ذهنه. ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفيسز"