تشهد العاصمة الأميركية واشنطن غداً حفل تنصيب الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما، ليكون بذلك الرئيس الـ44 في تاريخ الولايات المتحدة، وأول رئيس لأميركا من أصول أفريقية. وإذ يعد هذا حدثاً تاريخياً فارقاً بحكم ما يعنيه من تحول في تاريخ أميركا، فإنه ربما يؤشر أيضاً إلى بداية انعطافة جديدة في اتجاه النظام العالمي، إذا ما عرفنا أن توجهات ساكن البيت الأبيض الجديد، تختلف تمام الاختلاف عن، ولا تمت بصلة إلى توجهات سلفه في المكتب البيضاوي. والفرق بين الرجلين في التوجهات يكاد يختصر الفرق بين المحافظة الشديدة والتقدمية، بين أميركا الواقع وأميركا الحلم. بين الأحادية والتعددية، بين الإيمان بشرعية القوة والإيمان بقوة الشرعية. ولذا فإن أنظار العالم أجمع إذ تتجه إلى عاصمة جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وأبراهام لنكولن وجون كينيدي غداً (الثلاثاء) فإنها تنتظر أن ترى هناك خلال السنوات الأربع المقبلة ملامح من أداء هؤلاء القادة الأميركيين التاريخيين، تنسيها سنوات بوش الثماني الماضية، حتى لا نقول "العجاف"! ومن هذا المنظور يستجيب مجيء أوباما لحلم عالمي، قبل أن يكون أميركياً، أو أفريقياً. وهو حلم تحقق -ككل الأحلام العظيمة- عبر مسارات وتعرجات قصة شخصية وعائلية بالغة التعقيد والتشويق، تقتضي أن نتحول هنا لنتعرف على بعض تفاصيلها، باستعراض بعض ملامح سيرة ومسيرة أوباما الإنسان، والسياسي، والرئيس. ولد الرئيس باراك أوباما الثاني (الابن) يوم 4 أغسطس 1961، في هونولولو بجزر هاواي، لأبيه باراك حسين أوباما الأب (1936- 1982) وينحدر من قرية "نيانجوما كوجيلو" بغرب كينيا، وينتمي إلى إثنية "الليو" الزنجية. ولأمه "ستانلي آن دينهام" (1942- 1995)، وهي أميركية بيضاء ولدت في قاعدة عسكرية بكنساس، بحكم طبيعة عمل والدها العسكري ستانلي (1918- 1992)، ووالدتها مادلين دينهام (26/10/1922- 3/11/2008). وكان والدا الرئيس أوباما قد التقيا أثناء دراستهما في جامعة هاواي، التي حصل أوباما الأب على بعثة إليها لإكمال دراسته الجامعية في الاقتصاد، في حين كانت ستانلي تدرس الأنثروبولوجيا. ولم يدم زواج الوالدين 1961 طويلاً حيث قبل أوباما الأب سنة 1963 في جامعة هارفارد، ولذا اضطر للذهاب وحيداً إلى مساشوسيتس من دون زوجته وابنه، نظراً لصعوبة ظروفه المادية، ما أدى إلى الطلاق في يناير 1964. وبعد سنة تخرج أوباما الأب وعاد أدراجه إلى بلاده كينيا، حيث تزوج مجدداً، وعمل في وظائف مختلفة حتى لقي حتفه سنة 1982 في حادث سيارة. ولم ير أوباما الابن والده منذ عودته تلك إلا مرة واحدة فقط. أما والدة الرئيس أوباما، "ستانلي آن" فقد تزوجت هي الأخرى مجدداً من "لولو سويتورو" وهو طالب إندونيسي، سافرت معه العائلة جميعاً للعيش في جاكرتا حيث ولدت "مايا سويتورو" أخت أوباما غير الشقيقة. وعندما بلغ العاشرة من عمره عاد أوباما إلى أميركا ليعيش مع جديه لأمه، حيث واصل دراسته بهاواي. وفي سنة 1974 عادت الأم من إندونيسيا بعد طلاقها مجدداً من زوجها الثاني. وبعدما أكمل الابن تعليمه الثانوي درس سنتين في كلية كاليفورنيا الغربية، ثم التحق بجامعة كولومبيا العريقة بنيويورك، حيث تخرج في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية. وبسرعة التحق بالعمل كمحلل أعمال في شيكاغو لحساب شركة مالية كبرى. ومع بداية 1984 بدأ النشاط في مجال الخدمة الاجتماعية في أحياء السود الفقيرة بجنوب المدينة ذاتها. ولكنه عاد لمقاعد الدراسة مجدداً ليلتحق سنة 1987 بجامعة هارفارد قرب بوسطن حيث درس القانون، وكان أول أميركي من أصول إفريقية يتولى رئاسة تحرير دوريتها العلمية القانونية ذات السمعة الرفيعة. وإثر إكمال الدراسة عاد إلى شيكاغو مدرساً بجامعتها لمادة القانون الدستوري، كما انتسب إلى مكتب محاماة ناشط في مجال الدفاع عن الحقوق المدنية. وفي هذا المكتب تعرف على زوجته المحامية ميشيل روبينسون، وارتبط بها سنة 1992، وأنجب منها ابنتيه "ماليا آن" (مواليد 1998)، و"ناتاشا" وشهرتها "ساشا" (مواليد 2001). وكانت الزوجة ميشيل ناشطة في صفوف الحزب "الديمقراطي"، ومن الوجوه النافذة في فرعه في شيكاغو التي تنتمي إليها. وهي التي انطلق الرئيس في البداية من رافعة علاقاتها في الحزب ليبدأ مسيرته المظفرة في صفوفه، والتي عرفت بعض الإخفاقات في البداية. ولكن قفزته السياسية على المستوى الوطني الأميركي بدأت حين لفت انتباه الأميركيين جميعاً ببلاغة وقوة الخطاب الذي ألقاه في يوليو 2004 في مؤتمر الحزب بمناسبة ترشيح "جون كيري" للرئاسة. ولذلك حجزت له الشعبية التي نالها مقعداً في مجلس الشيوخ عن ولاية إلينوي بعد أقل من عام، حيث أصبح يومها السيناتور الملون الوحيد في المجلس، والخامس في التاريخ. وفي 16 يناير 2007 أعلن أوباما رسمياً عن البدء في إطلاق حملة استكشافية لجمع أموال نظراً لاحتمال ترشحه للرئاسة، وهو الترشح الذي أعلن عنه رسمياً يوم 10 فبراير، حيث لقي هذا الإعلان تأييداً منقطع النظير من قبل كبار رجال الأعمال والصحفيين، ومن جميع الوجوه والقوى الناقمة على سياسات الرئيس بوش والتيارات المحافظة الموالية له في صفوف الحزب "الجمهوري". وهنا بدأت قصة أخرى لنجاح باهر لم تكتمل تفاصيلها بعد. وطيلة العام الماضي خاض أوباما حملة انتخابات رئاسية عُدت في نظر الكثيرين واحدة من أكثر الحملات قوة وجاذبية واستقطاباً في التاريخ الأميركي كله، رافعاً شعار "التغيير" نسجاً على تطلعات عشرات الملايين في بلاده. وكانت ملحمة أوباما الانتخابية في الواقع حملتين قاسيتين بدأ أولاهما في مواجهة مرشحة حزبه العنيدة "هيلاري كلينتون" والثانية في مواجهة المرشح "الجمهوري" جون ماكين. وكان إلى جانب هيلاري زوجها الرئيس الأسبق "بيل" بكل قوته وجاذبيته، وإلى جانب ماكين محازبه الرئيس الحالي بوش. ولكن أوباما عرف كيف ينتصر على الأربعة معاً، ففاز في ترشيح الحزب، وفاز لاحقاً بالرئاسة يوم 4 نوفمبر 2008. ويرد معظم المحللين السياسيين سر الصعود الباهر للرئيس أوباما إلى سجاياه الراقية وثقافته الشخصية الرفيعة، إضافة إلى تنوع خلفياته العرقية والثقافية ما جعله مواطناً من العالم، أي أميركياً بامتياز، تمتزج في دمائه ومشاعره وطريقة تفكيره جميع روافد العالم القديم والجديد. ولجهة الثقافة والسجايا يعد أوباما خطيباً شديد البلاغة، حاذقاً في استدعاء واستثمار إيحاءات الألفاظ، وفي تضمين كلامه إحالات ثقافية واسعة تأخذ بألباب مشاعر مستمعيه. كما أن تساميه الراقي عن التركيز على الخلفيات العرقية، أكسبه الكثير من الود في صفوف السود الأميركيين الذين رأوا فيه حلمهم يتجسد واقعياً، وأكسبه أيضاً الطبقات العاملة البيضاء التي تعد أكثر حساسية عادة لمسألة العرق واللون في أميركا. وفوق هذا أكسبه ود شعوب العالم، التي تنتظر منه الكثير. حسن ولد المختار