هذا الأسبوع قمتُ بالإفراج عن "كبح جماح الرئاسة الإمبريالية"، وهو تقرير يقع في 486 صفحة يرصد الانتهاكات والتجاوزات التي ارتكبتها إدارة جورج دبليو. بوش، ويوصي باتخاذ سلسلة من الخطوات بهدف إصلاحها ومعالجتها وعدم تكرارها. ويعد آرثر شليزنجر جونيور، الشخص الذي سك عبارة "الرئاسة الإمبريالية" في عقد السبعينيات من القرن الماضي لوصف جهاز تنفيذي منح نفسه سلطات وصلاحيات أكبر مما ينص عليه الدستور والتف على مبدأ فصل السلطة ومراقبة بعضها بعضاً والذي يعد أساسياً وجوهرياً بالنسبة لنظام حكمنا في أميركا. وحتى عهد قريب، كان يبدو أن إدارة نيكسون هي الوحيدة التي تجسد هذه الفكرة، غير أنه من الواضح للأسف أن تهديد الرئاسة الإمبريالية استمر وبلغ مستويات عالية جديدة في عهد جورج بوش الابن. ومثلما يشير إلى ذلك التقرير مدعوماً بالوثائق والحجج، كانت ثمة الجهود المدروسة التي بذلتها الإدارة في اتجاه الحصول على حرب اعتداء غير ضرورية، وذلك بناءً على معلومات استخبارية تم التلاعب بها وحقائق "جرى تكييفها لتتماشى مع السياسة المتبعة". ثم كان تسييس الإدارة لوزارة العدل؛ والسياسات اللاأخلاقية، واللاقانونية، المرتبطة بالاعتقال والاستنطاق والترحيل القسري؛ والتنصت على المواطنين الأميركيين بدون أذون قضائية؛ وإلحاق التحفظات والقيود بالتشريعات التي يقرها الكونجرس؛ وترهيب وإسكات المنتقدين والمحذرين الذين تجرأوا على إخبار مواطنيهم بما تفعله الإدارة باسمهم. وكل هذا كان يتم في سرية غير مسبوقة. أعرفُ أن الكثير من الأميركيين يرون أنه يجدر بنا أن نطوي هذه الصفحة ونركز على المستقبل لأنهم يخشون أن يستنفد بحث ومعالجة هذه الأمور التي ارتكبتها إدارة بوش طاقة ثمينة نحن في حاجة إليها، وتصرفنا عن التركيز على التحديات الخطيرة التي تحدق بأمتنا. كما أدركُ قوة هذا الميل. والحقيقة أنني أنا أيضاً أريد تجاوز هذه المرحلة والتركيز على المستقبل -لأن ثمة الكثير من الأشياء التي أفضلُ أن أعمل عليها بدلًا من أن أقوم بمزيد من المراجعات لفترة بوش الرئاسية- غير أنني أعتقد أنه لن يكون أمراً ينم عن حس المسؤولية أن نواصل رحلتنا إلى الأمام بدون أن نعرف على وجه الدقة أين نحن. إننا لا نستطيع إعادة بناء التوازن المناسب بين مختلف فروع الحكم بدون أن نفهم جيداً كيف تم تحريف تلك العلاقة وتشويهها. وبالمثل، فإننا لا نستطيع وضع معيار مناسب لتصرف الرؤساء المقبلين بدون تسجيل وتصحيح التجاوزات الرئاسية التي حدثت للتو. وعلاوة على ذلك، فإن المراجعات القانونية التي تمت بعد رئاسة نيكسون الإمبريالية، مثل لجنتي "تشرش" و"بايك"، أدت إلى إصلاحات جوهرية خدمت بلدنا كثيراً. واليوم، نحن في حاجة إلى خطوات مشابهة من أجل الشروع في عملية تقييد تركة رئاسة بوش الإمبريالية وكبح جماحها. ولهذا الغرض، أقترحُ النقاط المهمة الثلاث التالية: أولًا، على الكونجرس أن يستمر في المطالبة بالوثائق واستدعاء المعنيين من مسؤولي الإدارة للمثول أمام لجان التقصي والإدلاء بشهاداتهم، وهو أمر تم التلكؤ والمماطلة بشأنه طويلاً في عهد الرئيس بوش؛ ومن شأن ذلك التحقق من عدم إقدام أي جهاز تنفيذي مستقبلاً على إخفاء أفعاله المخلة بالقانون عن الجمهور. ثانياً، على الكونجرس أن يشكل لجنة خاصة مستقلة أو هيئة مماثلة من أجل التحقيق في عدد من أنشطة إدارة بوش التي لم يكن ممكناً مراجعتها والتدقيق بشأنها من قبل، ومن ذلك برامج الاعتقال والاستنطاق والمراقبة التي اعتمدتها. ذلك أنه فقط عبر رصد ومواجهة الماضي -على نحو شامل وبمشاركة الحزبين الكبيرين- نستطيع إصلاح ما تضرر من سلطتنا الأخلاقية وشق طريق ذي مصداقية يقودنا إلى الأمام من أجل مواجهة التحديات الصعبة والمعقدة التي يطرحها عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر. ثالثاً، على الإدارة الجديدة أن تقوم بتحقيق جنائي مستقل بغية معرفة ما إن كان تم خرق أي قوانين مرتبطة بهذه الأنشطة. فهذا الأسبوع مثلاً، اعترفت مسؤولة بمعتقل جوانتانامو على صفحات "واشنطن بوست"، بأن أحد المشتبه فيهم المعتقلين هناك "تعرض للتعذيب" -حسب كلامها- في خرق واضح للقانون. ولأن القانون هو القانون ولأنه لا أحد فوق القانون، فلابد من محاسبة المسؤولين -وبخاصة الأشخاص الذين أمروا بهذه الانتهاكات ووافقوا عليها- في حال حدوث تصرف مناف للقانون. ولاشك أن الولايات المتحدة ستعيش، يوماً ما، أزمة أمنية أخرى بدون شك؛ وأي رئيس مقبل سيواجه ذات مشاعر الخوف وحالة انعدام اليقين التي واجهتنا بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، كما سنشعر مرة أخرى بالميل نفسه إلى تصديق أن الغاية تبرر الوسيلة -وهو ميل جر بلدنا إلى "الجانب المظلم" تحت قيادة الرئيس جورج بوش ونائب الرئيس ديك تشيني. بيد أنه إذا كنا نريد مقاومة هذا الميل -ومواجهة التهديدات الجديدة على نحو يحفظ الإيمان بقيمنا ويقوي سلطتنا المعنوية حول العالم بدلًا من تقويضها- فلابد من أن نتعلم دروس ماضينا القريب. جون كونيرز جونيور ــــــــــــــــــــــــــــــــ عضو "ديمقراطي" في مجلس النواب الأميركي ورئيس اللجنة القضائية ينشر بترتيب خاص مع خدمة"لوس أنجلوس تايمز واشنطن بوست "