أصبحنا في العالم العربي نتساءل عن الهدف أو الأهداف التي ترمي إليها إسرائيل من المذابح المتكررة للمدنيين الفلسطينيين. وكان آخرها قبل كتابة هذه السطور قصف المقر الرئيسي للأونروا المزدحم بالعائلات الفلسطينية، التي دمرت منازلها واضطرت إلى اللجوء إلى هذا المقر طلباً لملاذٍ آمن تحت راية الأمم المتحدة. لقد شرحت مراراً في مقالات ومقابلات تلفزيونية نظرية "الأرض الفراغ" التي حاول المفكرون الصهاينة ترويجها بين الشباب اليهودي في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر، ليغروهم بالالتحاق بالمشروع الصهيوني بعد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 في مدينة بازل السويسرية. وإذا كانت هذه النظرية التي تلخصها مقولة زنجويل "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" قد أثبتت زيفها مع وصول طلائع الهجرات اليهودية واكتشاف وجود شعب راسخ الجذور في فلسطين، فإن الآلية الثانية التي تم استخدامها تعويضاً عن فشل الأولى، أصبحت وإلى اليوم آلية التحقير للإنسان العربي باعتباره كائناً طفيلياً، تمهيداً لاغتياله أو طرده كما يحدث مع الحشرات باستخدام المبيدات. إذن حلت آلية "إفراغ الأرض" محل آلية "الأرض الفراغ" المتلهفة لوصول اليهود، إن هذه الآلية التي تتضمن الأساس النظري في بنيتها ما زالت تعمل في المذابح، التي تجري بدم بارد وفي هدوء أعصاب، ومن دون أدنى إحساس بالذنب. بعد المذبحة التي جرت يوم الخميس الماضي أثناء حضور الأمين العام للأمم المتحدة في إسرائيل، أصدر إيهود باراك وزير الحرب الإسرائيلي، تصريحاً قال فيه، إن القوات الإسرائيلية قصفت الملجأ التابع للأمم المتحدة، لأن مسلحين فلسطينيين أطلقوا من جواره قذيفة مضادة للدروع في اتجاه الدبابات الإسرائيلية. وهذا التصريح كاذب من أساسه، بدليل أنه فور قصف الملجأ المدني قامت طائرة إسرائيلية بقصف برج الشروق، الذي تتواجد فيه مقار عدد كبير من وكالات الأنباء الدولية والقنوات التلفزيونية العربية، وأوقعت خسائر في طاقم تلفزيون أبوظبي. وعندما سئل المتحدث العسكري الإسرائيلي عن الحادث، استخدم المنطق نفسه الذي قدمه باراك بالقول، إن رصاصاً قد أطلق من المبنى. لقد أفاد جميع المذيعين والمراسلين في هذا المبنى الإعلامي، أن المتحدث الإسرائيلي كاذب وأنهم لو سمعوا أي إطلاق نار من المبنى لغادروه على الفور باعتباره مكاناً غير آمن. نحن إذن أمام جرائم حرب مؤكدة تقوم بها إسرائيل استناداً على عقائدها المذكورة سلفاً، وأيضاً لتحقيق أهداف أخرى تتصل باللحظة الراهنة. فما هي هذه الأهداف الحالية؟ الوضع حتى كتابة هذا المقال، يشير إلى تعثر القيادة الإسرائيلية في اتخاذ قرار حول البدء في المرحلة الثالثة من العمليات، وهي مرحلة اقتحام الأحياء كثيفة السكان حيث تتركز قواعد المقاومة. وهذا التعثر يعني أن هناك خوفاً حقيقياً من أن يؤدي الدخول إلى هذه الأحياء إلى وقوع قتال متلاحم ينتهي بإيقاع قتلى كثيرين في الجيش الإسرائيلي، مما يحول حفل الانتصار الناتج عن الضرب والقصف الجوي والتواجد البري في مناطق مفتوحة بعيداً عن الكثافة السكانية، إلى محزنة كبرى في إسرائيل. في تقديري أن تعثر القيادة وترددها في اتخاذ قرار القتال المتلاحم هو أحد الأسباب التي أملت عليها إشعال رغبة الجمهور الإسرائيلي في ارتكاب مذابح جديدة تطال المدنيين الفلسطينيين. يُضاف إلى هذا أن عجز الحملة الإسرائيلية بعد ثلاثة أسابيع كاملة عن تحقيق الهدف المعلن، وهو تفكيك البنية الأساسية للعناصر المسلحة ومنع إطلاق الصواريخ على المدن الإسرائيلية، يمثل دافعاً رئيسياً لارتكاب المذابح ضد المدنيين العزل كنوع من الانتقام للفشل، ثم كنوع من الضغط على الفلسطينيين لتوليد مطالبات داخلية تفرض عليهم وقف إطلاق الصواريخ على المدن الإسرائيلية. إن أهداف الجرائم الحربية الإسرائيلية التي تتحدد ما بين العقائد الأساسية في الفكر الصهيوني، وما بين ضرورات التغطية على الفشل، خصوصاً مع تزايد الضغوط الدولية المطالبة بوقف إطلاق النار، هي أهداف تقع جميعاً في حالة مخالفة لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب. إنها مخالفات تمثل جرائم متكاملة الأركان تستوجب العقاب الدولي، الذي أرجو أن نعمل على أن يناله المجرمون.