تطرح هذه الأيام أفكار عدة لربط العالم العربي بحلف شمال الأطلسي (الناتو). وقد أنشئ الحلف عام 1949 لحماية الجزء الغربي من القارة الأوروبية من غزو سوفييتي محتمل. غير أن سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991، لم يعلن انتهاء الحلف بانتهاء مسببات وجوده، بل قاد إلى دعوات متعددة لتوسيع عضوية الحلف وزيادة مهامه وأعبائه. وكان من بين الأدوات التي استحدثت لإعطاء روح جديدة للحلف توسيع عضويته لتشمل عدداً من دول شرق أوروبا وبلدان البلطيق، واشترك عدد من الدول السوفييتية السابقة في معاهدات وروابط دفاعية مع الحلف وكان هذا واضحاً بالنسبة لدول تقع في خصر روسيا، أو في الجزء الجنوبي من الاتحاد الروسي، مثل جورجيا التي منحت قواعد عسكرية للحلف على أراضيها، في محاولة لدرء أية محاولة مستقبلية لإعادتها إلى حظيرة الإمبراطورية السوفييتية السابقة.
وقد عمد الحلف منذ منتصف التسعينيات إلى الاضطلاع بمهام جديدة في كوسوفو والبوسنة ومقدونيا وكذلك في أفغانستان. كما أنشأ الحلف علاقات شراكة مع بلدان جنوب البحر المتوسط مثل مصر والمغرب والجزائر وموريتانيا والأردن وإسرائيل، وكان ذلك عام 1994. وبموجب هذه الاتفاقيات تم تدريب أفراد من القوات المسلحة من هذه الدول في المدارس التابعة للحلف في أوروبا، وكذلك ربط هذه الدول في علاقات أمنية ثنائية ومتعددة الأطراف مع بلدان الحلف.
وقد عارضت بعض الدول الأوروبية مسألة توسيع نطاق عمل الحلف ليشمل المناطق المتباينة الأعراق، مثل دول البلقان، خلال مرحلة التسعينيات. وتمثل عملية إرسال قوات حلف الناتو إلى أفغانستان محاولة من الولايات المتحدة لتخفيف الأعباء عن قواتها المرابطة هناك، منذ حربها على ذلك البلد في خريف عام 2001. وستطرح قمة الحلف التي ستعقد في أسطنبول في نهاية شهر يونيو القادم مبادرة جديدة لإشراك دول الخليج العربي في مبادرة المشاركة في أنشطة الحلف. وهناك أسباب عديدة لمثل هذه المبادرة، أولها أن القوات الأميركية قد نجحت في حربها ضد قوات صدام، ولكنها لم تنجح في إحلال السلام في العراق بعد عام كامل من احتلالها لذلك البلد. وهي تشعر الآن أن قوتها العسكرية قد وصلت إلى منتهاها، ولا تستطيع أن تربح السلام في العراق لأن شرعية وجودها في المنطقة قد تتعرض لهزة عنيفة. حيث إن حربها في العراق لم تكن حرباً شرعية في المقام الأول، كما أن سمعة الإدارة الأميركية قد وصلت بالفعل إلى الحضيض نتيجة لتصريحات بوش الأخيرة تجاه الأراضي العربية المحتلة في فلسطين، والتي ألغى بموجبها مبادئ القانون الدولي، وطبق عليها مبدأ انتزاع حقوق الآخرين بالقوة العسكرية كأساس شرعي لضم الأراضي الفلسطينية إلى حوزة الدولة الإسرائيلية الغازية. كما أن تعاظم تعداد الضحايا من الجنود الأميركيين في العراق في سنة انتخابية مهمة يحتم على الرئيس الأميركي أن يجد مخرجاً من هذا المأزق.
وترغب الولايات المتحدة في تخفيف أعباء احتلالها للعراق عن طريق إضفاء طابع شرعي لذلك الاحتلال باستصدار قرار جديد من الأمم المتحدة يعطي دوراً أكبر للمنظمة الدولية في إدارة شؤون العراق، وانتقال السلطة إلى حكومة عراقية منتخبة.
وتخشى دول المنطقة من أن يتحول العراق إلى حالة كاملة من الفوضى والفراغ السياسي، خاصة إذا ما انسحبت القوات الأجنبية منه بشكل سريع، وهو ما قد يغري كلاً من تركيا وإيران لملء الفراغ العسكري والأمني في حال انسحاب مفاجئ لجميع القوات الأجنبية من العراق.
لذلك فإن الولايات ترغب في تشجيع دول حلف الناتو للمشاركة في تحمل أعباء حفظ السلام في العراق. وهي كذلك تريد مشاركة عربية ولو رمزية لإضفاء طابع شرعي على وجود القوات الأجنبية في ذلك البلد. وقد عملت الولايات المتحدة خلال العام الماضي على تدريب سبعين ألف رجل شرطة عراقي للمساعدة في حفظ الأمن ولكن تدريب الجندي العراقي يأخذ ما بين يومين إلى ثلاثة أيام. وقد أثبتت أحداث الفلوجة والنجف خلال الثلاثة أسابيع الماضية أن قوات الشرطة العراقية قد ذابت تماماً، وأن كتائب عدة من هذه القوات رفضت الحرب مع قوات الاحتلال ضد أبناء شعبها، وهو ما يمثل خيبة أمل حقيقية لإدارة الرئيس بوش. لذا فإن بوش يحاول جاهداً تغيير المندوب السامي أو الحاكم السياسي للعراق بول بريمر بحاكم سياسي جديد نجرو بونتي وهو سفير الولايات المتحدة السابق لدى الأمم المتحدة.
كما أعلن بريمر صراحة أن السلطة السياسية التي ستنتقل للعراقيين في 30 يونيو القادم ستكون سلطة اسمية ولن تكون سلطة فعلية. وهناك حالة من الإحباط تحيط بالسياسية الأميركية في المنطقة، فالدول المتحالفة مع الولايات المتحدة مثل أسبانيا قد قررت سحب قواتها من العراق وهناك دول صغيرة في أميركا الجنوبية مثل هوندوراس قد سحبت قواتها اقتداءً بأسبانيا.
والإشكالية الرئيسية التي ستواجه إقامة علاقات شراكة بين حلف الناتو ودول الخليج هي أن هذا الحلف لا يتمتع بسمعة متميزة في المنطقة العربية، وستنظر أعداد كبيرة من الناس إلى الحلف كنافذة خلفية لخدمة