في الأسبوع الماضي أعلنت أبوظبي عن استراتيجية تنموية بعيدة المدى لعام 2030 تضمنت أهم التوجهات الاقتصادية للإمارة الرامية إلى تحقيق معدلات نمو مرتفعة خلال العقدين المقبلين، كما سبق لدبي في الإمارات، والبحرين، أن أعلنتا عن استراتيجيتيهما للسنوات المقبلة واللتين تضمنتا توجهات مماثلة، مما يعبر عن نقلة نوعية في برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية بدول مجلس التعاون الخليجي. وهذه الاستراتيجيات المعلنة أعطت أهمية خاصة لتطوير الموارد البشرية وهو ما ينم عن فهم صحيح لطبيعة التنمية والتحديات التي ستواجهها دول المجلس في العقود القادمة، حيث تحتل مسألة تطوير الكفاءات البشرية أهمية استثنائية وذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة. ولاشك أن من يتابع مسار النمو في دول المجلس منذ سنوات السبعينيات وحتى الآن سيجد أن هذه البلدان تسير في اتجاه تصاعدي، ليس بسبب عائدات النفط الضخمة وحدها - والتي تعتبر المحرك الأول للنمو- وإنما أيضاً بسبب تطورها ضمن مسارات طبيعية واستقرار سياسي، أدت جميعها إلى تحديث الأنظمة والقوانين التي تقدم تسهيلات وتتيح العمل بفعالية لرؤوس الأموال وتنفيذ المشاريع المشتركة سواء للقطاعين العام أو الخاص المحليين، أو بالتعاون مع رؤوس الأموال الأجنبية التي تملك التقنيات والخبرات التسويقية. وهذه الأنظمة والقوانين التي تطورت على مدى العقود الماضية ساهمت مساهمة فعالة في استقطاب الاستثمارات والأيدي العاملة والخبرات الماهرة، وبالتالي تلبية المتطلبات الأساسية للنمو الاقتصادي، وذلك بعد أن أقامت دول المجلس بنية أساسية متقدمة توفر الاحتياجات الضرورية لأنشطة الاستثمارات المحلية والخارجية. ومن هنا نرى التجربة التنموية الخليجية في وسط عربي وشرق أوسطي يعاني تدني معدلات النمو والبطالة، علماً بأن هناك بلداناً في المنطقة تتوفر لديها عائدات نفطية كبيرة، إلا أنها فوتت عليها فرصاً ثمينة خلال العقود الماضية، وذلك نتيجة للتغيرات المحلية وعدم الاستقرار السياسي والانغلاق وفرض الكثير من القيود على الأنشطة الاقتصادية. وبعد النقلات النوعية في السبعينيات والثمانينيات والتي أدت إلى إقامة الجامعات والمعاهد العليا وتطوير صناعات مهمة، كالألمنيوم وتكرير النفط، وتخرج الآلاف من أبناء بلدان المنطقة من مختلف بلدان العالم، تنتقل دول المجلس في العقد الثاني من القرن الحالي إلى نقلة نوعية أخرى، تتمثل أساسا في تطوير الموارد البشرية المحلية وتنويع مصادر الدخل، وذلك بالاعتماد على البنى الأساسية المتقدمة التي أقامتها خلال السنوات الماضية. والجديد في هذه التوجهات الحديثة التي تمثلها استراتيجيات أبوظبي ودبي بالإمارات، والبحرين، والتي ربما تتبعها استراتيجيات مماثلة في بقية دول المجلس، هو في كونها تأتي في ظل السوق الخليجية المشتركة والعملة الموحدة والاندماج الخليجي من خلال توحيد الأنظمة والقوانين التي تعتبر متشابهة إلى حد بعيد، هذا بالإضافة إلى وجود رؤية خليجية مشتركة حتى عام 2025. وهذا التزامن يعطي دفعة قوية لتحقيق التوجهات والأهداف الواردة في هذه الاستراتيجيات بعيدة المدى، فالوصول إلى الأهداف المرسومة يحتاج إلى سوق كبيرة وإلى أيدي عاملة محلية ماهرة ورؤوس أموال واستثمارت ضخمة، وهي جميعها متوفرة في التجمع الخليجي الذي يمكن أن يؤدي في السنوات القادمة إلى حرية أكبر في انتقال السلع ورؤوس الأموال والأيدي العاملة بعد تطبيق بنود السوق الخليجية المشتركة، مما سيساعد كثيراً على تنفيذ الاستراتيجيات المعلنة وتكاملها، وبالأخص في مجال الموارد البشرية وإقامة الصناعات الكبيرة التي تتوفر لها أفضليات إنتاجية في دول المجلس. التجربة التنموية الخليجية تستحق أن تدرس بعناية من قبل البلدان العربية الأخرى والتي لا زال البعض منها يمر بصراعات محلية طاحنة لا طائل منها، في حين لا يحسن البعض الآخر تسخير ثرواته الطائلة لخدمة مشاريعه وبرامجه التنموية، مما لا تترتب عليه أية مردودات اقتصادية تساهم في تحسين المستويات المعيشية وإيجاد مصادر دخل بديلة وثابتة. الاستراتيجيات المعلنة ستكون خلال السنوات القادمة مادة غنية للبحث والتحليل، كما أنها تتيح فرصاً لا محدودة للمواطنين لتطوير قدراتهم وتأهيل أنفسهم للمساهمة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي لابد لهم من استغلالها لوضع بلدانهم بقوة على خريطة العالم الاقتصادية، وخصوصاً أن الاقتصاد العالمي يمر بفترة مخاض ستترتب عليها إعادة توزيع لمراكز القوى الاقتصادية في العالم. د. محمد العسومي