ما أن شمّت بعض وسائل الإعلام والمنتديات العربية رائحة العنصرية في تعليقات الأمير هاري لاثنين من زملائه في الجيش البريطاني، حتى بدأت حفلات سب "الغرب العنصري" ولم تتوقف حتى بعد أن اعتذر الأمير. يحدث هذا لأننا لا نعاني من نقص في العنصرية، ونحاول لا شعورياً محاكمة هذه الصفة بعد إسقاطها على الآخرين، لنستطيع رؤيتها، ونكسب الثواب ونحن نرجمها بالحصى. فما أسهل أن تضع رجلا على رجل وتنتقد سلوك غيرك 24 ساعة، وما أصعب تحمّل انتقاد النفس لدقائق. وعلى الرغم من بعض الإساءات الغربية لرموز الإسلام، فهي في النهاية إساءات فردية قام بها أشخاص لا يمكن أن يكونوا إلا حمقى لهم نظراء في كل مكان، وحتى الأحزاب "اليمينية" والشوفينية، فإنها في الغالب مبحوحة الصوت، لأن قوانين الغربيين تحرس التسامح، وثقافتهم تمد أيدي التسامح للآخر، وتقبل التعايش الحضاري معه. مؤخراً انتخب أحمد بوطالب عمدة لروتردام، ثاني أهم المدن الهولندية، فهو إضافة إلى أنه مغربي الأصل ومسلم، وليس من مواليد هولندا، فإنه مزدوج الجنسية، بل إن أباه كان يعمل إمام مسجد. وفي هولندا أيضاً، أعطت المحكمة للمحامين المسلمين الحق في عدم الوقوف للقضاة أثناء دخولهم القاعة، بعد دعوى من محامٍ مسلم استند فيها على أن "الدين يعتبر الناس سواسية". وتضم هولندا جالية إسلامية تقدر بنحو مليون شخص، وتشهد جدلاً في أوساط أصحاب القرار والأحزاب بشأن اعتبار الأعياد الإٍسلامية عطلة رسمية في البلاد، علماً بأن المدارس الهولندية، التي تضم أعدادا كبيرة من الطلاب المسلمين، تغلق أبوابها أيام العيد، كأنها في مدينة إسلامية عريقة. وأليس غريباً أن نصف الغرب بالعنصرية والمكتب الأميركي للإحصاء يعلن أن السكان البيض سيصبحون أقلية في الولايات المتحدة بحلول العام 2042، وأنه بحلول العام 2050 ستشكل الأقليات العرقية 54% من عدد السكان؟ وأليس غريباً ذلك الوصف و29% من تلاميذ المدارس في ألمانيا حالياً ينحدرون من أبوين لم يولدا في ألمانيا، والتقديرات تشير إلى أن أوروبا ستصبح قارة إسلامية قبل نهاية هذا القرن؟ لكن يد التسامح الغربي تتعرض للعض أحياناً، ومن ذلك ما قام به مهاجرون مغاربة، وربما متجنسين، بالتصفير والهتاف عند عزف النشيد الوطني الفرنسي قبل بدء مباراة كرة قدم ودية بين فرنسا وتونس. علماً بأنها ليست سابقة، فقد فعلوها من قبل أثناء مباراة فرنسا مع الجزائر ومع المغرب. هي فرنسا نفسها التي استطاع ابن مهاجر مجري يدعى ساركوزي، لا تزال حماته الإيطالية تصفه بالمجري الغجري، بأن يجلس على الكرسي الذي كان يجلس عليه شارل ديجول. بل قام بتعيين السيدة رشيدة داتي المغربية الأصل وزيرة للعدل، وقد أنجبت طفلة أسمتها "زهرة" وليس "كلارا". وفي أستراليا التي يشهد قادة المسلمين هناك بأن الشعب الأسترالي مسالم ويعاملهم بالحسنى، منعت مدرسة إسلامية ترديد النشيد الوطني الأسترالي، بحجة أنه "يخالف وجهات النظر والروح الإسلامية". وفي مهرجان دبي السينمائي الأخير، أهدت مخرجة أميركية من أصل فلسطيني، الجائزة التي حصلت عليها للعراقي الذي قذف رئيس بلادها بالحذاء. ذلك البلد الذي انتخب رئيساً من أب كيني مسلم، وزوج أم أندونيسي مسلم، وكانت النتيجة أن ظهر "الظواهري" البليد وهو يهين الرجل في لونه وأصله. ولا يمكن ملاحقة كل الأحداث أو المواقف الغربية التي تثبت أن التسامح وقبول الآخر والتعايش الحضاري هي معانٍ أصيلة في ثقافتهم وممارساتهم اليومية، وما دام الطريق مفتوحا للآخر والمختلف ليرتقي إلى أعلى المناصب هناك، فمن باب أولى أن تكون باقي الطرق سالكة له، وأن العنصرية ورفض الآخر وكراهيته هو الاستثناء الذي لا تُبنى عليه القاعدة.