أريد أن أكون مثل...! هل أستطيع أن أصبح مثل...؟ هل بالإمكان أن أكون في يوم من الأيام مثل...؟ بمثل هذه الأسئلة الجميلة والرائدة يبدأ الإنسان تكوين شخصيته المستقلة، تلك الشخصية التي تسهم بطريقة أو بأخرى في بناء أو هدم المجتمعات. ومن هنا تؤكد مدارس التربية المختلفة على أهمية وجود القدوة العملية التي يراها الناس ويتأثرون بها، لأن البشر من الصعب عليهم بناء قدوتهم من التاريخ فقط، بل إن موضوع القدوة العملية يتعدى ذلك، فلم تعد هناك شخصية متكاملة تنفع للاقتداء المطلق بعد موت الرسول عليه الصلاة والسلام. فكما قال الإمام مالك رحمه الله "كل يؤخذ من كلامه ويترك إلا صاحب هذا القبر".
وإذا كان مطلق الناس بحاجة إلى قدوات عملية فإن الشباب العربي اليوم في أحوج الحالات إلى هذه المدارس العملية في شتى المجالات. لكن الواقع يقول لنا غير هذا. فالمتتبع لمدرسة الإعلام العربي المعاصر يراها تبرز للشباب قدوات في تصوري المتواضع تهدم الأمم ولا تبنيها، مع ورود استثناءات بسيطة. فالإعلام اليوم يقول للشباب إذا أردتم المال والشهرة والذكر والسمعة فتخلوا عن كل قيمكم العربية الأصيلة ونحن ندعمكم! وإلا كيف نفسر متطلبات النجاح الإعلامي العربي المعاصر الذي يقول للفتاة قبل الشاب عليك قبول فكرة السهرات الماجنة والأزياء الفاضحة والكلمات البذيئة، وفوق هذا عليك أن تتقبلي صورة أن يراك الناس ليلا ونهارا ترقصين مع الشباب وتضحكين مع من نشاء وتغنين كما نريد وتتمايلين كي تنجحي. كل هذا في جو من المرح الذي هو في ظاهره السرور لكن باطنه فيه العذاب. هل كنا في يوم من الأيام نتصور مثل هذه الأمور تجري في أمة ما زالت تعد نامية مهزومة محتلة أراضيها يقتل أبناؤها على مسمع من العالم ومرأى منه؟ هذا هو الواقع، لكن المصيبة لا تكمن فيما نراه في هذه الأجهزة الإعلامية، بل في دعوتها المستمرة للشباب من الجنسين للاقتداء بمثل هذه الحالات، وقد نجحوا إلى حد كبير. هكذا يقول لنا الواقع. فمتابعة الملايين لمثل هذه البرامج الفاضحة تشير إلى ذلك، والشهرة التي حظي بها كل من قرر الانحراف عن قيمنا العربية الأصيلة شاهد آخر، حتى أصبح القوم ميداناً للتباهي بدلا من الأسف عليهم. والأسباب لذلك كثيرة لكن من أهمها:
تردد العديد من الناجحين في مجتمعاتنا في البروز الإعلامي، بسبب الخوف من ضريبة الشهرة، أو لأنهم يعتقدون أنهم دون المستوى، أو ربما لقناعة داخلية أن هذه الفوضى ليس لها من الله عاصم، وليس في الإمكان أفضل مما كان. وبعضهم رأى أنه من تجرأ وحاول أن يكون له مكان في وطننا العربي الكبير كان مكانه الفعلي الحبس المادي أو المعنوي وربما الهجرة.
عدم وجود رغبة جادة من قبل بعض الحكومات العربية في وجود قدوات للتقدم في المجتمعات لأن هذه القدوات ربما يلتف حولها البشر ومن ثم قد يحصل ما لا تحمد عقباه من وجهة نظرهم... أن يكون كل فرد في المجتمع مقلدا لهؤلاء الناجحين، وماذا يفعل الفاشل في هذا الجو؟ لن يكون له مكان يذكر لأن الناس تستخدم لغة القياس في حياتها. هذا الأمر جعل بعض الناس يلف حوله ثلة من الفاشلين حتى يكون هو العلم بينهم، ولو استقطب الناجحين لبرز له الخلل. مسكين من يفكر بهذه اللغة، إنه يقتل مؤسسته ووطنه كل يوم في مقابل أن يصنع له نجاحاً مزيفاً.
فإذا ما أضفنا إلى عزوف الناجحين عن الإعلام وقرار البعض إبراز الفاشلين التركيز فقط على بعض الميادين كالطرب فحسب أو الرياضة وحدها، عندها هل يُلام الشاب إذا ما قرر في نفسه أنه إذا أراد التميز فليطرق أحد هذين البابين وإلا فإنه يغرد خارج السرب؟ عندها يعيش الإنسان في عالمه الداخلي صراعاً فحواه: لماذا أهتم بدراستي وعلمي؟ ولمَ التركيز على الثقافة والاطلاع؟ وما أهمية الأخلاق، إذا كان ميدان تميزي يرفضها؟ وبعد هذا كله نسأل أنفسنا لماذا: ساءت أخلاق الناس؟ ولمَ الحياء لم يعد له ذكر؟ وما هذه الانحرافات التي نراها في شبابنا؟
كان ما سبق خواطر من الميدان جالت في مخيلتي محاولا الوصول إلى بر الأمان لأمة يريد لها الناس أن تخنع، وكتب الله لها العزة. فكلما يئس الإنسان من مستقبلها جاءت الأحداث بالمبشرات، وكلما زاد الناس إنفاقهم لصنع قدوات الهدم، صرف الحق أصنامهم وصنع قدوات للنصر تروي بفكرها ودمائها جنة في الأرض وخلوداً في السماء.