عندما ينقشع غبار المعارك في غزة، ستجد إدارة أوباما نفسها مضطرة للاضطلاع بمسؤولية تحريك الطرفين نحو تحقيق السلام. ويجب على هذه الإدارة التركيز على تعزيز قدرات الطرف الفلسطيني الذي يمكن أن تناط به آمال تحقيق السلام (السلطة الفلسطينية)، وعلى ضمان الاستقرار في الضفة الغربية. فحتى قبل انهيار وقف إطلاق النار في غزة الشهر الماضي، كان الإسرائيليون، والفلسطينيون، قد وصلوا إلى حالة من الإرهاق والمرارة والتشكك في وجود شريك حقيقي للسلام. فالثقة التي كان يُفترض تحقيقها من خلال عملية "أوسلو"، كانت قد تهاوت مع الانتفاضة الثانية، ومع الهجمات الانتحارية المتلاحقة في إسرائيل، وإعادة احتلال الضفة الغربية، واستمرار إسرائيل في بناء المستوطنات. ومن الواضح في ضوء الظروف الحالية في المنطقة، وكما أثبتت أحداث غزة، إن أي مبادرة رئيسية للضغط على الطرفين من أجل تقديم تنازلات، أو الموافقة على شروط اتفاقية ما، لن يكتب لها النجاح ما لم تحتوِ تلك المبادرة على ضمانات كافية بتحقيق السلام الدائم في نهاية المطاف. كما أن أي حكومة فلسطينية، مهما كان حسن نيتها، لن تتمكن من الوفاء بالتزاماتها في أي اتفاقية، مالم يكن لديها سيطرة على قوات أمن فعالة وتتصف بالولاء. من حسن الحظ، أن هناك طريقا مفتوحا أمام السلام. فالجهود الأميركية قادرة على صوغ أساس للأمن بين الإسرائيليين والفلسطينيين، من خلال تطوير منظومة أمنية احترافية فلسطينية، تساعد على كبح جماح "حماس" في الضفة الغربية، وتسمح للسلطة الفلسطينية بإعادة تأسيس سلطتها في قطاع غزة. والولايات المتحدة لديها بالفعل إطار لدعم هذه العملية يتمثل في" مكتب المنسق الأمني للولايات المتحدة" الذي يرأسه الليفتنانت جنرال( فريق)"كيث دايتون" . فعلى الرغم من محدودية التمويل والدعم، الذي يتلقاه هذا المكتب من واشنطن، فإن مهمة دايتون قد حققت تقدماً معتبراً خلال العام الماضي، حيث أشرفت على تدريب ما يزيد على 1000 عنصر من عناصر الحرس الرئاسي، و"قوة الأمن الوطني" الفلسطيني. وهذه الوحدات التي جرى نشرها في جنين وفي فترة أحدث في الخليل، بدأت في فرض القانون في مدن كانت معروفة من قبل بالفلتان الأمني. وجميع الأطراف المعنية، تعترف بالإنجازات التي حققها هذا الجهد، لكن يجب التأكيد في هذا السياق على أنه لا يمكن تحقيق أمن حقيقي مالم تستهدف قوات الأمن الفلسطينية الخلايا والشبكات الإرهابية، وليس فقط سارقي السيارات وغيرهم من المجرمين العاديين. وعلى الرغم من بعض التقدم الذي تم تحقيقه في الآونة الأخيرة، فإن جهود مكافحة الإرهاب التي تقدمها الوحدات التي تعمل تحت قيادة دايتون، لا تزال محدودة إلى درجة كبيرة. ولتطوير قوة أمنية فلسطينية احترافية قادرة على القيام بعمليات ضد الإرهاب فإن واشنطن مطالبة بإجراء توسيع كبير لنطاق مهمة دايتون، مع العمل على إعادة توجيهها بحيث تصبح جزءا من إصلاح مؤسسي أكبر حجما للسلطة الفلسطينية. ويجب أن يكون لهذا الجهد ميزانية منتظمة، وطاقم مؤهل أكبر (هناك 16 أميركيًا فقط معينون في مكتب "المنسق الأمني التابع للولايات المتحدة" منهم اثنان فقط يتحدثان العربية). كما يجب أيضاً منح القوات الأميركية إذنا ًللإشراف مباشرة على التدريب على عمليات قوات الشرطة الأجنبية، كما يجب تحويل تفويض المهمة من وزارة الخارجية إلى وزارة الدفاع الأميركية، لزيادة مقدار حرية الحركة المتاحة للفريق، الذي يضطر الآن إلى الحصول أولاً على إذن، وعلى حماية أمنية من القنصلية الأميركية في القدس عند رغبتهم في التنقل في الضفة الغربية. غير أنه يجب أن يكون معروفاً إن تكوين قوة أمنية كفؤة، لن يكون كافياً في حد ذاته لضمان أن الفلسطينيين سيكون لديهم الرغبة في العمل ضد الإرهاب، كما أن وجودها لن يؤدي إلى حل الخلافات الفلسطينيةـ الفلسطينية بين "حماس" و"فتح" .ولكن لاخلاف ـ مع ذلك على أن تزويد السلطة الفلسطينية بقوات أمن احترافية، مجهزة بالمعدات الحديثة، ومدعومة من قبل الإسرائيليين والفلسطينيين معا يعتبر في حد ذاته شرطاً ضرورياً لتحقيق الأمن، كما يعتبر في الوقت ذاته متطلباً مؤسسياً من متطلبات تكوين الدولة. يرى البعض أن "الناتو" يجب أن يحل محل القوات الإسرائيلية ومحل قوات الأمن الفلسطينية في الضفة الغربية. قد يكون هناك دور لقوات دولية في مراقبة تنفيذ اتفاقية السلام النهائية، أو مراقبة الترتيبات الحدودية في قطاع غزة كجزء من اتفاق لوقف إطلاق النار، ولكن سيكون من غير العملي جعل المجتمع الدولي مسؤولاً عن تحقيق الأمن بين الفلسطينيين والإسرائيليين قبل أن يتم تحقيق السلام، لأن إسرائيل ستكون غير راغبة بالطبع في إسناد شؤون أمنية خاصة بها إلى جهات أجنبية أخرى كما أن الفلسطينيين سيكونون غير راغبين في القبول بشيء يعتبر في نظرهم احتلالًا أجنبياً جديداً-حتى لو كان مؤقتاً. وهناك عقبة أخرى تتصل بهذا الموضوع، وهي أن قوات "الناتو" ستجد صعوبة في تقديم خبراء مؤهلين واختصاصيين في الشؤون المدنية للاضطلاع بهذه المهمة. فالناتو لم يضطلع أبدا بمهام مقاومة إرهاب من قبل، وكان حريصاً على تجنب الاضطلاع بمثل تلك المهمة في أفغانستان. ليس هناك طريق مختصر للسلام يمكنه تجاوز موضوع الأمن. فدعم الفلسطينيين، وتزويدهم بالإمكانيات التي تجعلهم قادرين على الاضطلاع بالمسؤولية الأمنية، واتخاذ إجراءات دائمة لزيادة قدرتهم على الوفاء بالجزء الخاص بهم في أي اتفاقية، يجب أن يكون هو المساهمة الرئيسية التي تقدمها أميركا في عملية السلام خلال الشهور القادمة. جي.دي. كروتش الثاني نائب مستشار الأمن القومي الأميركي من 2005-2007 مونتجومري ميجيس القائد السابق لقوات "الناتو" في البوسنة من 1998-1999 والتر بي. سلوكومب وكيل وزارة الدفاع الأميركية للشؤون السياسية في إدارة كلينتون ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست